الحجار يحاسب عون بالنصوص

محمد شمس الدين

بعد قرار النائب العام التمييزي بالانابة القاضي جمال الحجار، كفّ يد القاضية غادة عون عن الملفات القضائية التي تحقق فيها، موجهاً تعميماً إلى الأجهزة الأمنية كافة لعدم تنفيذ أي إشارة صادرة عنها وعدم مخابرتها بأي دعوى قديمة أو جديدة، وحصر الأمر بالمحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان، ردت عون: “أنا لست موظفة عنده وهو ليس رئيسي”.

إلا أن كلام عون غير صالح بالنصوص القانونية وفق مرجعية قضائية، قالت لموقع “لبنان الكبير”: “القاضي الوحيد الذي أعطاه النص القانوني سلطة مباشرة على القضاة هو النائب العام التمييزي، وذلك وفق أصول المحاكمات الجزائية، فتقول المادة ١٣ منها: تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع قضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله أن يوجه الى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام. انما يبقى لهم حرية الكلام في جلسات المحاكمة. يحيل على كل منهم، حسب اختصاصه، التقارير والمحاضر التي ترده بصدد جريمة ما ويطلب اليه تحريك دعوى الحق العام فيها”.

وبالنسبة الى الضابطة العدلية، فان للنائب العام لدى محكمة التمييز أن “يراقب موظفي الضابطة العدلية في نطاق الأعمال التي يقومون بها بوصفهم مساعدين للنيابة العامة. له أن يوجه الى رؤسائهم ما يراه من ملاحظات في شأن أعمالهم الموصوفة آنفاً، وذلك وفق المادة 15 من القانون نفسه، وبالتالي هم يخضعون لسلطته”، وفق ما أكدت المرجعية القضائية، مضيفة: “للنائب العام أن يوجه تنبيهاً الى أحد قضاة النيابة العامة بسبب ما يعزوه اليه من تقصير في عمله أو أن يقترح على هيئة التفتيش القضائي احالته على المجلس التأديبي”.

ورأت المرجعية أن من الخطورة الكلام الذي يخرج الضابطة العدلية من سلطة النائب العام التمييزي، فذلك من شأنه أن يؤدي إلى “تفلت الضابطة وانتشار الفوضى”.

وعن نية عون التوجه إلى مجلس شورى الدولة، أشارت المرجعية القضائية إلى أنه “كان هناك خلاف حول صلاحية شورى الدولة في القضاء، كون القرارات الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى لا تذهب إلى مجلس شورى الدولة، ولكن هناك سابقة سجلت في هذا الموضوع، فعندما كلف رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي بلال حلاوي رئاسة الدائرة في بيروت، اعترض القاضي فؤاد مراد، وقدم طعناً لدى شورى الدولة، التي قبلت الطعن بالشكل، معتبرة أن القرارات الادارية يمكن أن تكون خاضعة لرقابتها، ويمكن للمجلس قبول الطعون بالشكل وردها بالمضمون”.

وشددت المرجعية على أن “لا أحد يحسد القضاء على الحال التي وصل إليها اليوم، بحيث لم يشهد في التاريخ مثل هذا الانقسام الحاد وغير المقبول، التراشق والتمرد القضائي، لم يحصلا في كل تاريخ القضاء، علماً أنه كانت تحصل خلافات في السابق، ولكن كان مجلس القضاء يلملمها ويجمع المختلفين ويتم حل الأمر، ولم يوجد في تاريخ القضاء قاضٍ متمرد على مرجعياته”.

وأوضحت المرجعية أن في كل السوابق، بمجرد أن يصدر قرار من المجلس التأديبي بحق قاضٍ ما، كان يتم إيقافه عن العمل، متسائلة “ما هذه الازدواجية التي يتعاطى بها وزير العدل، لا سيما في مركز مهم جداً مثل مدعي عام جبل لبنان؟”. وقالت: “العونيون كان لديهم إصرار على تسلم وزارتي العدل والطاقة، واليوم أصبحت الوزارتان خرابة، لقد تم تدميرهما”.

ولفتت المرجعية إلى أن “جوهر السبب الذي أدى الى انهيار القضاء هو توجه بعض القضاة إلى الشعبوية، وهم أصبحوا مداومين على مواقع التواصل أكثر من مكاتبهم. نادي قضاة لبنان أصبح نادياً لصور السيلفي وما يطلبه الجمهور، وهذا يضرب أسس القضاء الذي يفترض أن يكون مهيوباً وعادلاً، لا يأخذ في الاعتبار رأي الجمهور لأخذ قراراته”.

في كل الفترات السابقة التي كانت القاضية عون في معرض التأديب القضائي أو كف يدها عن ملفاتها، كانت مرجعيتها السياسية تهب لنجدتها، إلا أنه لوحظ غياب وزير العدل هنري خوري، وتعليق أشبه برفع عتب لرئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي كتب على حسابه على تطبيق “اكس” منشوراً لا يعلن دعمه المباشر لعون، جاء فيه: “لقد صحّ ما نبهنا منه مراراً.. هذا ما يتم على يد المنظومة الحاكمة التي تريد إدامة إمساكها بالقرار المالي والاقتصادي والقضائي، أين التدقيق الجنائي؟ أين ملف أوبتيموم؟ أين رياض سلامة المطارد دولياً والمحمي محلياً في كنف هذه المنظومة؟”.

التعاطف العوني الخجول مع عون قد يعني أن مرجعيتها السياسية لم تعد باستطاعتها تغطية ارتكاباتها، لا سيما في التفاعل الأخير بينها وبين النائب العام التمييزي، بحيث أفيد أن عون كانت فظة جداً في ردها على طلب شرعي منه ومن ضمن صلاحيته، أو قد يكون السبب أن باسيل يحاول التخفيف من المشكلات مع القوى السياسية في هذه الفترة، لا سيما مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، الذي كان على خلاف مع القاضية عون بعد توجيهها الاتهامات اليه.

شارك المقال