في بعض الأدبيات الكربلائية يكثر القول إن نساء الحسين – عليه السلام – سبين – والعياذ بالله – بعد مأساة كربلاء. لذلك تم البحث في هذا الادعاء لخطورته وفظاعته التي تتجاوز – ربما – قتل سيدنا الحسين – رضي الله عنه – والحق أنه ادعاء له أساس في تاريخ الطبري.
الطبري (839 – 923م):
يروي الطبري: قَالَ أَبُو مخنف: فَحَدَّثَنِي أَبُو زهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي، قال: نظرت إِلَى تِلَكَ النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده صحن ولطمن وجوههن قَالَ: فاعترضتهن عَلَى فرس، فما رأيت منظرا من نسوة قط كَانَ أحسن من منظر رأيته منهن ذَلِكَ الْيَوْم. قال: لا انس قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الْحُسَيْن صريعا وَهِيَ تقول: يَا مُحَمَّداه، يَا مُحَمَّداه! صلى عَلَيْك ملائكة السماء، هَذَا الْحُسَيْن بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يَا مُحَمَّداه! وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفي عَلَيْهَا الصبا قَالَ: فأبكت وَاللَّهِ كل عدو وصديق، قَالَ: وقطف رؤوس الباقين، فسرح باثنين وسبعين رأسا مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعزرة بن قيس، فأقبلوا حَتَّى قدموا بِهَا عَلَى عُبَيْد اللَّهِ بن زياد.
لكن، وجب القول أن الطبري أورد في ما يخص مأساة كربلاء كل الروايات المتعلقة بها بلا تدقيق ولا تحليل لدرجة أنها استغرقت في تأريخه عشرات الصفحات، وبعضها يتناقض، ومن ذلك التناقض – مثلاً – القول إن علي بن الحسين قتل في مجلس ابن زياد، وهذا لا يصح، فعلي الأكبر قتل في كربلاء، أما علي الأصغر فلم يقتل لا في كربلاء ولا في مجلس ابن زياد، وناقض الطبري روايته عن مقتل علي الأصغر بنفسه حين أورد روايات أخرى هي الأصح لتوافقها مع بقية المؤرخين، ولأن علي زين العابدين بن الحسين – رضي الله عنهما – هو بقية ذرية الحسين ومنه كل الذرية الحسينية.
يروي الطبري: ولم يكن بقي من أهل بيت الْحُسَيْن بن علي إلا غلام كَانَ مريضا مع النساء، فأمر بِهِ عُبَيْد اللَّهِ ليقتل، فطرحت زينب نفسها عَلَيْهِ وقالت: وَاللَّهِ لا يقتل حَتَّى تقتلوني! فرق لها، فتركه وكف عنه قَالَ: فجهزهم وحملهم إِلَى يَزِيد، فلما قدموا عَلَيْهِ جمع من كَانَ بحضرته من أهل الشام، ثُمَّ أدخلوهم، فهنئوه بالفتح، قَالَ رجل مِنْهُمْ أزرق أحمر ونظر إِلَى وصيفة من بناتهم فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هب لي هَذِهِ، فَقَالَتْ زينب: لا وَاللَّهِ وَلا كرامة لك وَلا لَهُ إلا أن يخرج من دين اللَّه، فأعادها الأزرق، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: كف عن هَذَا، ثُمَّ أدخلهم عَلَى عياله، فجهزهم وحملهم إِلَى الْمَدِينَة.
ويستمر الطبري: قَالَ هِشَام: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْن روح بْن زنباع الجذامي، عَنْ أَبِيهِ، عن الغاز بن رَبِيعَة الجرشي، من حمير، قال: والله انا لعند يزيد بن مُعَاوِيَة بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس حَتَّى دخل عَلَى يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: ويلك! مَا وراءك؟ وما عندك؟ فَقَالَ: أبشر يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بفتح اللَّه ونصره، ورد علينا الْحُسَيْن بن علي فِي ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إِلَيْهِم، فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا عَلَى حكم الأمير عُبَيْد اللَّهِ بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال عَلَى الاستسلام، فعدونا عَلَيْهِم مع شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل ناحية، حَتَّى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، يهربون إِلَى غير وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ الحمائم من صقر، فوالله يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ إلا جزر جزور أو نومة قائل حَتَّى أتينا عَلَى آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس، وتسفى عَلَيْهِم الريح، زوارهم العقبان. قَالَ: فدمعت عين يَزِيد، وَقَالَ: قَدْ كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الْحُسَيْن، لعن اللَّه ابن سمية (يقصد ابن زياد)! أما وَاللَّهِ لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم اللَّه الْحُسَيْن! ولم يصله بشيء. ثُمَّ إن عُبَيْد اللَّهِ أمر بنساء الْحُسَيْن وصبيانه فجهزن، وأمر بعلي ابن الْحُسَيْن فغل بغل إِلَى عنقه، ثُمَّ سرح بهم مع محفز بن ثعلبة العائذي، عائذة قريش ومع شمر بن ذي الجوشن، فانطلقا بهم حَتَّى قدموا عَلَى يَزِيد، فلم يكن عَلِيّ بن الْحُسَيْن يكلم أحدا منهما فِي الطريق كلمة حَتَّى بلغوا، فلما انتهوا إِلَى باب يَزِيد رفع محفز بن ثعلبة صوته، فَقَالَ: هَذَا محفز بن ثعلبة أتى أَمِير الْمُؤْمِنِينَ باللئام الفجرة، قَالَ: فأجابه يَزِيد بن مُعَاوِيَة: مَا ولدت أم محفز أشر وألأم.
ويستمر الطبري في رواياته: قَالَ: ولما جلس يَزِيد بن مُعَاوِيَة دعا أشراف أهل الشام فأجلسهم حوله، ثُمَّ دعا بعلي بن الْحُسَيْن وصبيان الْحُسَيْن ونسائه، فأدخلوا عَلَيْهِ والناس ينظرون، فَقَالَ يَزِيد لعلي: يَا علي، أبوك الَّذِي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع اللَّه بِهِ مَا قَدْ رأيت! قَالَ: فَقَالَ علي: “مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها”، فَقَالَ يَزِيد لابنه خَالِد: أردد عَلَيْهِ، قَالَ: فما درى خَالِد مَا يرد عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: قل: “وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ”، ثُمَّ سكت عنه، قَالَ: ثُمَّ دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه، فرأى هيئة قبيحة، فَقَالَ: قبح اللَّه ابن مرجانة! (يقصد ابن زياد) لو كَانَتْ بينه وبينكم رحم أو قرابة مَا فعل هَذَا بكم، وَلا بعث بكم هكذا.
ويضيف الطبري أن فاطمة بنت علي، قالت: لما أجلسنا بين يدي يَزِيد بن مُعَاوِيَة رق لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا، قالت: ثُمَّ إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إِلَى يَزِيد فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هب لي هَذِهِ- يعنيني، وكنت جارية وضيئة- فأرعدت وفرقت، وظننت أن ذَلِكَ جائز لَهُمْ، وأخذت بثياب أختي زينب، قالت: وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذَلِكَ لا يكون، فَقَالَتْ: كذبت وَاللَّهِ ولؤمت! مَا ذَلِكَ لك وله، فغضب يَزِيد، فَقَالَ: كذبت وَاللَّهِ، إن ذَلِكَ لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت، قالت: كلا وَاللَّهِ، مَا جعل اللَّه ذَلِكَ لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، قالت: فغضب يزيد واستطار، ثُمَّ قَالَ: إياي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، فَقَالَتْ زينب: بدين اللَّه ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك، قَالَ: كذبت يَا عدوة اللَّه، قالت: أنت أَمِير مسلط، تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك، قالت: فوالله لكأنه استحيا، فسكت، ثُمَّ عاد الشامي فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هب لي هَذِهِ الجارية، قَالَ: اغرب، وهب اللَّه لك حتفا قاضيا! قالت: ثُمَّ قَالَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة: يَا نعمان بن بشير: جهزهم بِمَا يصلحهم، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا، وابعث مَعَهُ خيلا وأعوانا فيسير بهم إِلَى الْمَدِينَة، ثُمَّ أمر بالنسوة أن ينزلن فِي دار عَلَى حدة، معهن مَا يصلحهن، وأخوهن معهن عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فِي الدار الَّتِي هن فِيهَا قَالَ: فخرجن حَتَّى دخلن دار يَزِيد فلم تبق من آل مُعَاوِيَة امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح عَلَى الْحُسَيْن، فأقاموا عَلَيْهِ المناحة ثلاثا، وَكَانَ يَزِيد لا يتغدى وَلا يتعشى إلا دعا عَلِيّ بن الْحُسَيْن إِلَيْهِ، قال: فدعاه ذات يوم، ودعا عمر بن الْحَسَن بن علي وَهُوَ غلام صغير، فقال لعمر بن الْحَسَن: أتقاتل هَذَا الفتى؟ يعني خالدا ابنه، قَالَ: لا، ولكن أعطني سكينا وأعطه سكينا، ثُمَّ أقاتله، فَقَالَ لَهُ يَزِيد، وأخذه فضمه إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية! قَالَ: ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يَزِيد عَلِيّ بن الْحُسَيْن ثُمَّ قَالَ: لعن اللَّه ابن مرجانة، أما وَاللَّهِ لو أني صاحبه مَا سألني خصلة أبدا إلا أعطيتها إِيَّاهُ، ولدفعت الحتف عنه بكل مَا استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن اللَّه قضى مَا رأيت، كاتبني وأنه كل حاجة تكون لك، قَالَ: وكساهم وأوصى بهم ذَلِكَ الرسول، قَالَ: فخرج بهم وَكَانَ يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حَيْثُ لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عَنْهُمْ وتفرق هُوَ وأَصْحَابه حولهم كهيئة الحرس لَهُمْ، وينزل مِنْهُمْ بحيث إذا أراد إنسان مِنْهُمْ وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم فِي الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويلطفهم حَتَّى دخلوا الْمَدِينَة.
ويستكمل الطبري رواياته: ثُمَّ إنهن أدخلن عَلَى يَزِيد، فَقَالَتْ فاطمة بنت الْحُسَيْن- وكانت أكبر من سكينة: أبنات رَسُول اللَّهِ سبايا يَا يَزِيد! فَقَالَ يَزِيد: يَا ابنة أخي، أنا لهذا كنت أكره، قالت: وَاللَّهِ مَا ترك لنا خرص، قَالَ: يا ابنة أخي ما آت إليك أعظم مما أخذ مِنْكَ، ثُمَّ أخرجن فأدخلن دار يَزِيد بن مُعَاوِيَة، فلم تبق امرأة من آل يَزِيد إلا أتتهن، وأقمن المأتم، وأرسل يَزِيد إِلَى كل امرأة: ماذا أخذ لك؟ وليس منهن امرأة تدعي شَيْئًا بالغا مَا بلغ إلا قَدْ أضعفه لها، فكانت سكينة تقول: “مَا رأيت رجلا كافرا بالله خيرا من يزيد بن مُعَاوِيَة”. ثُمَّ أدخل الأسارى إِلَيْهِ وفيهم عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فَقَالَ لَهُ يَزِيد: إيه يَا علي! فَقَالَ علي: “مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُور” فَقَالَ يَزِيد: “وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ” ثُمَّ جهزه وأعطاه مالا، وسرحه إِلَى الْمَدِينَة.
شمس الدين الذهبي (1274 – 1348 م):
وننتقل من روايات الطبري إلى ترجمة يزيد بن معاوية في سفر الإمام الذهبي العظيم “سير أعلام النبلاء”، حين يقول:
“ويزيد ممن لا نسبه ولا نحبه، وله نظراء من خلفاء الدولتين، وكذلك في ملوك النواح، بل فيهم من هو شر منه، وإنما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – بتسع وأربعين سنة، والعهد قريب، والصحابة موجودون، كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجده. كان يزيد قويا شجاعا، ذا رأي وحزم وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد وكان ناصبيا فظا، غليظا، جلفا. يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة، فمقته الناس”.
ويروي الذهبي ما جرى بعد كربلاء: “وأقبل عمر بن سعد، فقال: ما رجع رجل إلى أهله بشر مما رجعت به، أطعت ابن زياد، وعصيت الله، وقطعت الرحم. وورد البشير على يزيد؛ فلما أخبره، دمعت عيناه، وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. وقالت سكينة: يا يزيد؛ أبنات رسول الله سبايا؟ قال: يا بنت أخي هو والله علي أشد منه عليك، أقسمت ولو أن بين ابن زياد وبين حسين قرابة ما أقدم عليه، فرحم الله حسينا، عجل عليه ابن زياد، أما والله لو كنت صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا بنقص بعض عمري، لأحببت أن أدفعه عنه، ولوددت أن أتيت به سلما”.
ويكمل الذهبي: “ثم أقبل على علي بن الحسين ، فقال يزيد: أبوك قطع رحمي، ونازعني سلطاني. فقام رجل، فقال: إن سباءهم لنا حلال. قال علي: كذبت إلا أن تخرج من ملتنا. فأطرق يزيد، وأمر بالنساء، فأدخلن على نسائه، وأمر نساء آل أبي سفيان، فأقمن المأتم على الحسين ثلاثة أيام، إلى أن قال: وبكت أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، فقال يزيد وهو زوجها: حق لها أن تعول على كبير قريش وسيدها”.
تاريخ ابن كثير (1301 – 1373 م):
ويروي ابن كثير: “يزيد بن معاوية أكثر ما نقم عليه في عمله شرب الخمر وإتيان بعض الفواحش، فأما قتل الحسين فإنه لم يأمر بذلك، ولم يسؤه. وقد قدمنا أنه قال: لو كنت أنا لم أفعل معه ما فعله ابن مرجانة. يعني عبيد الله بن زياد، وقال للرسل الذين جاءوا برأسه: قد كان يكفيكم من الطاعة دون هذا. ولم يعطهم شيئا، وأكرم آل بيت الحسين، ورد عليهم جميع ما فقد لهم وأضعافه، وردهم إلى المدينة في تجمل وأبهة عظيمة، وقد ناح أهله في منزله على الحسين مع آله – حين كانوا عندهم – ثلاثة أيام. وقيل: إن يزيد فرح بقتل الحسين أول ما بلغه، ثم ندم على ذلك. فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن يونس بن حبيب الجرمي حدثه قال: لما قتل ابن زياد الحسين وبني أبيه، بعث برؤوسهم إلى يزيد، فسر بقتلهم أولا، وحسنت بذلك منزلة ابن زياد عنده، ثم لم يلبث إلا قليلا حتى ندم، فكان يقول: وما كان علي لو احتملت الأذى وأنزلته في داري وحكمته فيما يريده، وإن كان علي في ذلك وهن في سلطاني، حفظا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية لحقه وقرابته. ثم يقول: لعن الله ابن مرجانة فإنه أخرجه واضطره، وقد كان سأله أن يخلي سبيله أو يأتيني أو يكون بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله تعالى، فلم يفعل، وأبى عليه وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس من قتلي حسينا، ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله، وغضب عليه”.
ابن الأثير: (1160 – 1233 م):
اما ابن الاثير، فقال في تاريخه: “ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس. فلما رأين الرأس صحن، فصاح نساء يزيد وولول بنات معاوية. فقالت فاطمة بنت الحسين، وكانت أكبر من سكينة: أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟ قال: يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره. قالت: والله ما ترك لنا خرص. فقال: أتى إليكن أعظم مما أخذ منكن. فقام رجل من أهل الشام فقال: هب لي هذه، يعني فاطمة، فأخذت بثياب أختها زينب، وكانت أكبر منها، فقالت زينب: كذبت ولؤمت، ما ذلك ولا له. فغضب يزيد واستطار …، ثم (ما سألن يزيد حاجة) إلا أتتهن وأقمن المأتم وسألهن عما أخذ منهن فأضعفه لهن، فكانت سكينة تقول: ما رأيت كافرا بالله خيرا من يزيد بن معاوية. ولما أراد أن يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم ويسير معهم رجلا أمينا من أهل الشام ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة ودعا عليا ليودعه وقال له: لعن الله ابن مرجانة! أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ولكن قضي الله ما رأيت يا بني كاتبني حاجة تكون لك. وأوصي بهم هذا الرسول فخرج بهم فكان يسايرهم ليلا فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه فإذا نزلوا تنحوا عنهم هو وأصحابه فكانوا حولهم كهيئة الحرس وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة”.
تاريخ السيوطي (1445 – 1505 م):
والاستشهاد بكتاب “تاريخ الخلفاء” لجلال الدين السيوطي مهم جداً، فالعالم الجليل لا يخفي انحيازه مطلع الكتاب ضد الأمويين ودولتهم، إذ يفتتح كتابه بفصل عنوانه “الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية”.
قال السيوطي: “وبعث أهل العراق إلى الحسين والرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالًا ونساء وصبيانًا، فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجه إليهم جيشًا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله، فلما رهقه السلاح عرض عليه الاستسلام والرجوع والمضي إلى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلا قتله، فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد، لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضًا”.
ورغم هذا الموقف الصارم والمحترم للسيوطي، وهو المحب لبني هاشم والباغض ليزيد وابن زياد، وحديثه عن فظائع جيش يزيد في المدينة (وقعة الحرة) ثم محاصرة مكة ورميها بالمنجنيق، وتبنيه لقول من سبقه من المؤرخين في أن يزيداً كان يشرب الخمر ويأتي المنكرات واضح وصريح وصاخب، إلا أنه لم يشر أبداً الى سبي نساء الحسين، لأن ذلك لم يحدث أبداً كما أجمعت الروايات.
الخلاصة:
معنى السبي في الفقه: هو أَسْرُ الكُفّارِ وأَخْذُهُمْ بِسَبَبِ الحَرْبِ، والأَسْرَى في الحَرْبِ على قِسْمَيْنِ: 1- قِسْمٌ يكون رَقِيقاً بِمُجَرَدِ السَّبْيِ والأَسْرِ، وهم: النِّساءُ والصِّبْيانُ. 2- قِسْمٌ لا يكون رَقِيقاً إلّا بِاخْتِيارِ الإِمامِ، وهم: الرِّجالُ البالِغونَ الـمُقاتِلونَ. والإِمامُ مُخَيَّرٌ فِيهِم بين الرِّقِّ وبين القَتْلِ وبين الفِداءِ بِمالٍ أو بِأَسيرٍ مُسْلِمٍ. وما يعنينا هنا هو القسم الاول، وهو ما لم يتحقق أبداً مع نساء الحسين، فلا هن كفار، ولم يتم استرقاقهن.
إن كل المؤرخين المسلمين، دوّنوا كتبهم بعد سقوط الدولة الأموية، وتحدثوا عن مثالب يزيد بن معاوية وأعوانه بوضوح وشفافية، ولو كان من ضمنها سبي نساء الحسين – عليه السلام – لذكروا ذلك بلا غضاضة ولا وجل.
ويتضح من الرويات، أن بعض نساء الحسين ظنن بعد استشهاده، إما لهول الفاجعة أو لهول الجريمة أو لفجور القتلة أو لكل ذلك، أنهن قد سبين، وما عزز ذلك تطاول بعض أوباش الشام في مجلس يزيد، لكن سير الحدث ومآله، أثبت قطعاً أن ذلك لم يحدث أبداً – ولو لثانية – تصديقاً لقوله تعالى: “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”، والحسين من صميم أهل البيت النبوي، والسبي رجس لا يليق بهذا البيت الطاهر والنقي والمبارك، ونساء الحسين معذورات في تصورهن بسبب الحزن، ولأن المنطق يقول إن من يهن عليه قتل حفيد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد يفعل أي شيء، ومهما تحدثت كتب التاريخ عن إكرامهن بعد المأساة، فلا قيمة لهذا الإكرام بعد قتل الحسين، كما أن تسييرهن إلى ابن زياد ويزيد – وكل عليه مسؤولية في هذه الجريمة البشعة والنكراء – فيه من الألم والكمد ما يفوق كل تصور. ولو تم السبي، لذكرت الروايات التاريخية أنه تم تحريرهن أو عتقهن، وهذا لم يحدث ولا يكون، وما تعرضن له من مقتل الحسين إلى وصولهن إلى يزيد، لا يسمى إلا الأسر أو الاحتجاز أو الحبس أو الاعتقال، وهو أمر شنيع ومستنكر ومستهجن، لكنه لا يسمى سبياً.
إن ترويج فرية السبي المناقضة لكتاب الله والمسيئة للرسول الأعظم ولأهل بيته وآله في بعض الأدبيات الكربلائية، سببه تأكيد المظلومية وتأجيج الاستقطاب والتحريض والغلو والفجور، وربما جلب منافع اقتصادية ومالية للمنشدين والرواة الذين يحيون هذه المأساة. ويستوي في هذا الترويج الشنيع سوء النية وحسنها.
وهذا المبحث البسيط يتناول مسألة السبي وحدها وبعينها، وتبرئة قتلة الحسين منها، لا يعني تأييدهم – والعياذ بالله – أو القول بصلاحهم وعفافهم وتقواهم. فالمهم في هذا المبحث تنزيه آل بيت النبوة وتفنيد كذبة تاريخية. وفي الختام لا أجد أفضل من دعاء سيدنا الحسين: اللهم احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا.


