“سهماً في قلب الأعداء” هذا ما قاله المعرف عن السيد حسن نصر الله عند انتخابه أميناً عاماً لـ”حزب الله” عام 1992، خلفاً للسيد عباس الموسوي الذي اغتالته اسرائيل في غارة جوية على طريق جنوب لبنان.
استطاع السيد نصر الله تشكيل هالة قدسية حول نفسه لدى مناصريه ومحازبيه الذين ينادونه بـ”السيد”، ويؤكدون فداءه بأرواحهم، وقد اشتهرت عبارة “فدا السيد” التي يرددونها كلما وقعت عليهم مصيبة.
حظي نصر الله بتعاطف واسع بعد اغتيال اسرائيل ابنه هادي عام 1997، خلال تنفيذه عملية ضد القوات الاسرائيلية التي كانت تحتل جنوب لبنان.
وسطع نجمه عام 2000 بعدما تحرر لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، ونسب الفضل في هذا التحرير الى عمليات المقاومة التي كان “حزب الله” أبرز فصائلها، وقد خرج نصر الله في خطاب يعلن فيه إهداء “النصر” إلى كل لبنان.
تعرض نصر الله إلى اهتزاز صورته عام 2005 عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بحيث وجهت سهام الاتهام نحوه ونحو النظام الأمني اللبناني – السوري في حينها، ولاحقاً أعلنت المحكمة الدولية أن اغتيال الحريري تم على يد عناصر من الحزب على رأسهم سليم عياش.
في ظل الهزة الكبيرة التي حلت بلبنان وتداعياتها في حينه، اشتعلت حرب تموز 2006 بين الحزب واسرائيل، واعتبرت أحد أبرز إنجازات نصر الله، التي حقق فيها “حزب الله” ما عدّه نصراً نادراً على الجيش الاسرائيلي، كونه استطاع منع اسرائيل من تحقيق أي من أهدافها، باعتراف لجنة فينوغراد التي أنشأتها تل أبيب للتحقيق في اخفاقات الحرب.
ولا تزال عبارة “انظروا اليها تحترق” تتردد (عندما أعلن نصر الله قصف البارجة الحربية الاسرائيلية “ساعر” في عرض البحر) في أذهان اللبنانيين حتى اليوم، وينتظرها (أو ما يشابهها) أبناء البيئة الحاضنة كرد على العدوان الاسرائيلي.
وقد زادت حرب تموز من نجومية نصر الله وشعبية حزبه، وانتشرت صوره في كل الأراضي اللبنانية من الشمال إلى الجنوب، وحتى في العديد من الدول العربية ودول أخرى كتركيا، واشتهر برفعه إصبعه لتهديد اسرائيل، وأصبح يعرف بـ”وعده الصادق”، إثر تحقيقه وعد الانتصار في تموز.
وسبق الحرب في شباط من العام نفسه انجاز أحد أهم الاتفاقات لنصر الله، “تفاهم مار مخايل” الذي وقعه بنفسه بينه وبين رئيس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون (في حينه)، ووضع قسماً كبيراً من المسيحيين في كنف “حزب الله”، واتخذ عون موقفاً داعماً للحزب في الحرب، ولاحقاً في محطات أخرى ك 7 أيار والحرب السورية.
إلا أن كل الزخم خارج البيئة الحاضنة الذي كان يتمتع به نصر الله وحزبه، ضربت صورته عام 2008 إثر أحداث 7 أيار، التي اشتبك فيها الحزب مع لبنانيين داخل العاصمة بيروت وجبل لبنان، واتهم نصر الله والحزب بالاستقواء على الشعب اللبناني. ووصف نصر الله يوم 7 أيار ب “يوم مجيد”، الأمر الذي زاد من التباعد بينه وبين اللبنانيين.
وبينما كان 7 أيار لا يزال راسخاً في ذاكرة معارضي “حزب الله” اندلعت الحرب الأهلية في سوريا، وتدخل “حزب الله” فيها مباشرة إلى جانب نظام حليفه بشار الاسد، ما أمعن في ضرب صورة نصر الله وحزبه لبنانياً وعربياً، واعتبر أنه يحاول انشاء خط “الهلال الشيعي” الذي كانت تسعى اليه طهران.
بالإضافة إلى ذلك تعرض نصر الله والحزب لانتقادات واسعة من الدول العربية، على خلفية دعمهما لـ”الحوثيين” في اليمن، وقد أعلنت دول عربية عدة، عن كشفها خلايا مرتبطة بالحزب تخطط لعمليات داخل أراضيها، كما وجهت اتهامات الى الحزب بإغراق الأسواق العربية بمخدرات “الكبتاغون”.
وتم تصنيف “حزب الله” إرهابياً في العديد من الدول، وأطلقت الصفات الارهابية على نصر الله نفسه.
ومؤخراً ازداد التباعد بين نصر الله وبقية اللبنانيين على خلفية ملفين، الأول انفجار مرفأ بيروت عام 2020، بحيث اتهم الحزب بتخزين المواد شديدة الانفجار نيترات الأمونيوم في عنابر المرفأ، وتسبب في كارثة على العاصمة ببروت، وملف رئاسة الجمهورية، الذي يتهم الحزب بتعطيلها من أجل إيصال رئيس تابع له.
في عهد نصر الله طوّر “حزب الله” قدراته العسكرية بدعم رئيسي من طهران التي تمدّه بالمال والسلاح. وبات يمتلك أسلحة دقيقة متطورة يؤكد أنها قادرة على أن توجه ضربات موجعة الى اسرائيل.
ولد نصر الله في برج حمود عام 1960، وتعود أصوله إلى بلدة البازورية حيث اضطر والده للنزوح إلى بيروت بحثاً عن فرصة للعمل، وكان الطفل التاسع من أصل عشرة أطفال.
على الرغم من أن عائلته لم تكن متدينة، إلا أنه كان مهتماً بدراسة أصول الدين.
التحق بمدرسة النجاح، ثم مدرسة سن الفيل الرسمية ذات الغالبية المسيحية.
بعد اندلاع الحرب الأهلية أجبرت عائلة نصر الله، الذي كان بعمر 15 سنة، على العودة إلى البازورية. وأكمل دراسته في مدرسة صور الرسمية للبنين، ثم انضم إلى حركة “أمل”، في ظل طابع البلدة الشيوعي والماركسي، وعيّن مندوباً للحركة في البازورية.
تعرّف في صور على إمام مسجد الإمام جعفر الصادق السيد محمد الغروي، والذي ساعده في الذهاب إلى النجف، حيث أمضى فترة من الدراسة الإسلامية في الحوزة العلمية.
إلتقى هناك بعباس الموسوي، الرجل الذي جمعته معه علاقة صداقة متينة وشراكة في تأسيس “حزب الله” لاحقاً. بعد أن أنهى المرحلة الأولى من دراسته، اضطر نصر الله للعودة إلى لبنان في 1979، وعلّم بالحوزة الدينية في بعلبك، والتي كانت تتبع تعاليم آية الله محمد باقر الصدر، مؤسس حركة الدعوة في النجف خلال الستينيات، وأصبح لاحقاً مندوب حركة “أمل” في البقاع، وأصبح عضواً في مكتبها السياسي المركزي.
انشق نصر الله عن حركة “أمل” عام 1982، وشارك في تأسيس “حزب الله”، وإنحصرت مسؤولياته الأولى بالتعبئة وإنشاء الخلايا العسكرية.
تولّى لاحقاً منصب نائب مسؤول منطقة بيروت، ثم أصبح مسؤولاً عليها.
أستحدث لاحقاً منصب المسؤول التنفيذي العام، وقد شغله نصر الله أيضاً وأصبح بذلك عضواً في مجلس الشورى، وهو أعلى هيئة قيادية ضمن “حزب الله”.
في 1989، غادر بيروت إلى قم في إيران، حيث تابع هناك دراساته الدينية.
في 1991، بعد التطورات في الساحة اللبنانية والنزاعات المسلحة بين “حزب الله” وحركة “أمل” عاد إلى لبنان، وانتخب عندها عباس الموسوي أميناً عاماً للحزب ونعيم قاسم نائباً له، وتسلم نصر الله مسؤولياته التنفيذية السابقة، حتى خلافته للموسوي بعد اغتياله.


