تُثبت مدينة طرابلس أنّها كانت وما زالت المنصّة الأنسب والأجدر لاستضافة مختلف الفنون المحلّية، العربية والدّولية على الرّغم من كلّ “المنغّصات” المُحيطة بها في هذه المرحلة الصعبة التي بات فيها الفنّ “ثانويًا”. فهذه المدينة الثرية بمزيجها التاريخيّ والثقافيّ، والتي اختيرت لتكون عاصمة “الثقافة العربية” لعام 2024، تُسلّط عليها الضوء هذا العام باستقبالها مهرجان طرابلس للأفلام في دورته الثانية عشرة على التوالي، والذي سيختتم فعالياته يوم الأربعاء المقبل، وسط أجواء ترحيبية بحدثٍ اتخذ شعار “تخطّي الحدّود أو Transcending Borders” تعبيرًا عن تجاوز الحواجز الثقافية والفكرية عبر لغة السينما العالمية، وما تتضمّنه من قدرة على مقاومة المحدودية الفكرية.
طرابلس التي تُحاول التأقلم مع الأحداث الاستثنائية الأخيرة التي تُغضبها وتُشعرها بالعجز، تسعى دائمًا إلى تخطّي الحدود التي تُعيق تعبيرها عن نفسها وأهلها، لذا، فالشعار الذي اتخذته إدارة المهرجان “يليق بها” وبتقنية السينما والعمل السينمائي الذي “من المعيب” تقييده.
ولا يخفى على أحد أنّ الفيحاء تُعدّ “مرجعًا” لتخطّي مختلف الحواجز، لا الفكرية فحسب، بل تتعدّاها لتشمل أيّ معوّقات، حتّى الاقتصادية والأمنية منها. والفنّ، بما يمتلكه من قدرات تعبيرية ورسائل سامية، هو وسيلة تستعين بها المدينة في الظروف الاستثنائية والقاهرة. فطرابلس، التي عانت ظروفًا أمنية، عسكرية، سياسية، واقتصادية، لم تتوانَ يومًا عن تأكيد انتمائها إلى الفنّ الهادف، وهذا ما يدفعها سنويًا إلى استضافة هذا المهرجان الذي نستذكر انطلاقته في دورته الأولى قبل يوميْن من بدء تنفيذ الخطّة الأمنية التي أنهت جولات العنف بيْن منطقتيّ جبل محسن وباب التبانة في نيسان العام 2014، وقد استقبل المهرجان حينها أهمّ الفنانين على وقع التوترات الدّاخلية، وكان أبرزهم الفنانة درّة التونسية.
وعلى الرّغم من الأزمات المتنوّعة التي عصفت بالبلاد عمومًا وبطرابلس خصوصًا، ما زالت المدينة تستقطب محبّي الفنون والمتخصّصين فيها من مختلف الفئات، من ممثلين، مخرجين، ونقّاد قادمين من لبنان والدّول العربية وحتّى الدّول الأجنبية، لمتابعة هذا الحدث الذي يستقطب 45 فيلمًا محلّيًا وعالميًا. هذا الإقبال يُشير إلى أهمّيته في لبنان والمنطقة، وهو ليْس بغريب على مدينةٍ أنجبت العديد من الفنانين، وما زالت تُدرّب شبّانها النّاشئين على فنون السينما والمسرح بصورة رئيسية.
ويُعدّ “المنتدى المتخصّص” المصاحب لهذه الفعاليات منذ 10 أعوام، فرصة لصنّاع السينما الشباب للقاء المبدعين والخبراء العالميين. وقد اختتم المنتدى فعاليته التي استمرّت يوميْن في مقرّ “مرسح”، بمشاركة مخرجين شباب وطلّاب إعلام وسينما من الجامعات اللبنانية، حيث استمعوا إلى محاضرات ومناقشات عدّة حول صناعة الفيلم وفنون الدراما والمسرح. وفي إطار المنتدى، عُقدت حلقتان “ماستر كلاس”: الأولى مع الممثل والمخرج اللبناني- الطرابلسيّ فائق حميصي، الذي تمّ تكريمه ومنحه جائزة “إنجاز حياة” تقديرًا لبصمته الكبيرة محلّيًا وعالميًا في صناعة السينما والمسرح. أمّا الحلقة الثانية، فكانت مع الممثل كميل سلامة. كما عُقدت جلسة بعنوان “Pitch it to make it, Pitch it to screen it” مع المنتج اللبناني نيكولا خبّاز. وفي الختام، أُعلنت نتائج مسابقة “منصّة دعم مشروع الفيلم العربي القصيرArab Shorts Pitching Platform”.
وتُؤكّد المنسّقة الإعلاميّة لـ “مهرجان طرابلس للأفلام”، مطيعة الحلّاق، أنّ طرابلس تستحقّ هذا المهرجان المتميّز الذي ينتظره عشاق السينما في لبنان والعالم من المتخصّصين، الطلّاب والهواة. وتقول لـ “لبنان الكبير”: “صناعة السينما ليْست سهلة على الإطلاق، وكذلك إقامة هذا النوّع من المهرجانات الذي وضع طرابلس على الخارطة العالمية فنيًا وثقافيًا”.
وتُضيف: “تميّز هذا العام بحضور فنيّ من مختلف المناطق والدّول، بالإضافة إلى لجان التحكيم التي قدمت من فرنسا، مصر، وتونس وبحضور شخصيات بارزة من الأردن، المغرب العربي، والمملكة العربية السعودية، إضافة إلى النّقاد والمخرجين. وقد شهد المهرجان حوارات قيّمة بيْن صنّاع الأفلام والجمهور، تمّ خلالها شرح الرؤى السينمائية التي تُعتبر اللغة الأقوى والرسالة الأمثل لكسر الحواجز وبناء الجسور بيْن الثقافات والشعوب”.
يُمكن القول، إنّ هذا المهرجان (الذي تستمرّ فعالياته في مركز العزم الثقافي – بيت الفن في الميناء وأماكن أخرى من المدينة)، يُرسّخ هوّية طرابلس الفنّية، ويمنح بجوائزه “حياة جديدة” للمكرّمين فيه، وهذا ما أكّده الفنان حميصي الذي انطلقت مسيرته من طرابلس وتحديدًا من منطقة القبّة، ومنذ ذلك الحين، صنع حميصي مسيرة فنّية لا تُنسى للأجيال الحالية والمستقبلية. ولا يُمكن الإغفال أنّ المبدع الراحل زياد الرّحباني كان أحد أبرز رموز هذه المسيرة ورفيقها من خلال “تعاوّن فني وإنساني” تحدّث عنه حميصي، مشيرًا إلى أنّه بدأ بلقاء جمعهما “صدفة” العام 1978، وتجسّد في مسرحية “إيماء 88” عبر مقطوعتيّ “المصنع” و”هدوء نسبي”، وذلك بعد إعجاب الرحباني بالحركة الصامتة التي ترجمها حميصي في أدائه، كما ظهر في مسرحية “بالنّسبة لبكرا شو؟”، وتكريمه اليوم، وهو اعتراف بإنجازاته القيّمة في لبنان والعالم ولكن على أرض مدينته.


