يتوقّع مراقبون شماليّون أنّ يرتفع عدد النّازحين السوريين المتجهين إلى سوريا من شمال لبنان في الفترة المقبلة، خصوصًا بعد القرار الذي اتخذته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بوقف التغطية الصحية للمرضى السوريين اعتبارًا من الشهر القادم.
نجل إحدى المريضات، وهو سوريّ نزح إلى لبنان إثر الحرب السورية، ويُقيم في منطقة البدّاوي، أكّد لـ “لبنان الكبير” أنّه اضطّر قبل أشهر قليلة إلى إدخال والدته التي تُعاني من مرضٍ مستعصٍ إلى أحد المستشفيات الحكومية في الشمال لإزالة التهاباتٍ انتشرت في جسدها، ونظرًا لأنّ الأمم لا تُغطي تكلفة علاجها، “خرجنا بعد أسبوعٍ واحد فقط، دفعنا خلاله ما يزيد على ثلاثة آلاف دولار، أيّ أنّ تغطية المفوضية لا تشمل كلّ السوريين في لبنان، خلافًا لاعتقاد البعض، وقد حُرم الكثير منّا من مساعداتها منذ أعوام”.
شاب آخر، روى لـ “لبنان الكبير” تراجع خدمات “الأمم” أخيرًا، وأضاف: “والدي مريض، وقد يضّطر لدخول العناية المركّزة في أيّة لحظة، وفي حال نُفّذ قرار المفوضية، فلن أبقى في لبنان لحظة واحدة، على الرّغم من صعوبة مغادرة هذا البلد الذي أعمل وأعيش فيه”.
يُمكن القول إنّ القرار الذي اتخذته “الأمم” لم يكن صادمًا أو غير متوقّع، لكنّه أثار اهتمام المستشفيات الحكومية في شمال لبنان، ممّا دفعها إلى إصدار بيان أعربت فيه عن قلقها البالغ إزاء القرار الذي “سيُضاعف الأعباء المالية والتشغيلية على المؤسسات الاستشفائية الرسمية التي تُعاني أصلًا من ضغوط خانقة”، وحذّرت من أنّ هذه الخطوة ستُؤدّي إلى حرمان عدد كبير من المرضى السوريين من تلقّي العلاج اللازم، “لا سيما الحالات الحرجة، الأمر الذي سيضع الطواقم الطبية أمام تحدّيات إنسانية وأخلاقية صعبة”.
المستشفيات الشمالية التي وقّعت على هذا البيان ودَعَت الجهات المانحة إلى إعادة النّظر بقرارها، أكّدت استعداداها التام للتعاون مع المنظمات الدّولية والجهات الرسمية اللبنانية لضمان استمرار الخدمات الصحية لجميع المحتاجين، وهي: مستشفى طرابلس (القبّة)، مستشفى المنية، مستشفى عبد الله الراسي بعكّار، مستشفى سير الضنية ومستشفى أورانج ناسو في شارع المئتين بطرابلس.
مصادر طبّية أفادت أنّ المفوضية خفّضت منذ عام تقريبًا التغطية الصحية للنّازحين السوريين من 80 بالمائة إلى 60، لكنّها تُشدّد عبر “لبنان الكبير” على أنّ حرمانهم من حقوقهم الاستشفائية بصورة شاملة، سيُؤدّي إلى حصول مشكلات تنعكس على النّازح والمستشفى أيضًا.
وقالت: “لا نخفي تراجع عدد المرضى السوريين في الفترة الأخيرة، منذ بدء خطّة إعادتهم إلى بلادهم، إلا أنّ عددًا منهم ما زال مقيمًا في لبنان، وهو ما يجعله عُرضة لدخول المستشفى في أيّ وقت. إنّ القرار المُتخذ سيُحدث انعكاسات سلبية، خصوصًا على الحالات الطارئة التي ستُفاجئنا، حيث ستضطّر هذه الحالات إلى تحمّل نفقات علاجها الخاصّة، ولا أعتقد أنّ السوريين في الشمال سيستطيعون تحمّل هذه التكاليف حتّى لو كانت في مستشفى حكوميّ، الأمر الذي سيُؤدّي إلى أزمة إنسانية كبيرة، فإمّا أنْ يُحرموا من العلاج، أو سيُغادرون دون دفع التكاليف، ممّا سيُسبّب مشكلات جوهرية صعبة تمسّ كرامة الإنسان أوّلًا، وتُثقل كاهل المستشفيات الحكومية التي تتحمّل أعباءً ثقيلة ثانيًا”.
وأضافت: “حتّى هذه اللحظة، ما زلنا نستقبل يوميًا ما بيْن 15 إلى 18 نازحًا في المستشفيات، وتختلف هذه الأعداد بالتأكيد من مستشفى حكوميّ وآخر”، متمنّيًا من الجميع حلّ هذه المعضلة سريعًا والنّظر إلى وضع النّازحين الإنسانيّ”.
في هذا السياق، لوحظ أنّ “اللفتة” التي عبّرت عنها المستشفيات الحكومية في الشمال، واجهت انتقادًا من الكثير من الشماليين الذين انقسموا إلى فئتيْن: فئة تُطالب هذه المستشفيات بإعطاء الأولوية للمواطنين قبل النّازحين، وفئة أُخرى تُشجع السوريين على العودة إلى بلادهم في ظلّ هذه الظروف الطارئة، وذلك بسبب التكلفة المنخفضة للعلاج هناك مقارنة بارتفاع تكاليف الرعاية الصحية في لبنان التي يضطر اللبنانيون إمّا لتحمّلها أو التوجّه إلى سوريا، وتحديدًا إلى طرطوس، لتلقّي العلاج بسببها.
وردّ مصدر طبّي عبر “لبنان الكبير” على هذه الانتقادات، موضحًا أنّ المستشفيات الحكومية تُواجه واقعًا مؤسفًا يجعلها تُعوّل على المجتمع الدّولي أو المنظمات الدّولية. وقال: “الازدحام الذي نشهده في أقسام الطوارئ أو الغرف العادية والعناية الفائقة يُؤكّد لجوء النّاس إلينا، من كلّ الفئات، وفي كثيرٍ من الأحيان، تتعاطف الإدارة مع بعض الحالات، فتُسامح البعض أو تقوم بتقسيط المبالغ المستحقّة لتخفيف عبء الفواتير، التي لا يُمكن أنْ تُضاهي فاتورة أصغر مستشفى خاصّ، في المقابل، يتهرّب آخرون من دفع ليرة واحدة، وقد يكون التهرّب صامتًا، أو بالانسحاب المصحوب بمشكلات دموية أو مشاحنات وشتائم وتشهير”.


