مأساة غرق السوريين والحدود “الرخوة”: سموم تُغري “مافيا” التهريب!

إسراء ديب

لم تتوقّف يومًا عمليات تهريب البشر غير الشرعية عبر الحدود اللبنانية- السورية حتّى بعد سقوط نظام الأسد، وعلى الرّغم من انخفاضها في الفترة الماضية، تُشير المعطيات إلى عودتها وتسجيلها حركة ملحوظة من جديد، خصوصًا عبر طريق حمص- تلكلخ باتجاه لبنان. وفي الواقع، لم تكن هذه العمليات لتكتسب هذه الأهمّية أو يُسلّط الضوء عليها لولا وقوع حادثة مأساوية فجر الأحد، حيث غرقت وفُقدت مجموعة من السوريين كانت متجهة إلى لبنان عبر مجرى النّهر الكبير الجنوبيّ شمالًا، والذي يُعدّ نقطة تهريب “مُغرية” على الرّغم من وجود عشرات المعابر الأُخرى، فجرفتها المياه شديدة التدفق خلال هذا الموسم الشتويّ.

الحادثة المأساوية، لم تمرّ مرور الكرام، إذْ كادت أنْ تتسبّب بمشكلةٍ حقيقية ذات أبعاد سياسية أو ديبلوماسية لو تمّ تضخيمها فعليًا، خصوصا أنّ البلديْن لديهما ملفات عالقة بيْنهما، أبرزها ملف الموقوفين السوريين في لبنان. ويأتي هذا التوتر الذي انتهى سريعًا، بعدما زعم بعض القنوات أو المواقع الإخبارية السورية، ودون استناده إلى رواية أيّ من النّاجين، أنّ الجيش اللبناني أجبر السوريين على عبور مجرى النّهر أثناء محاولتهم العبور بطريقةٍ غير شرعية عبر الشمال. ولكن الجيش سُرعان ما نفى هذه المعلومات، موضحًا أنّ وحداته العسكرية لم تتدخل في المنطقة المذكورة، ولم تتوفّر لديه معلومات حول محاولة عبور غير شرعية فيها، مؤكّدًا أنّه لم يُجبر أيّ شخص على العودة عبر مجرى النهر، كما يُشاع.

*ماذا حدث؟*

في الظلام، حاولت المجموعة اجتياز النّهر (المشترك بيْن لبنان وسوريا، والذي يمتدّ لنحو 77 كيلومترًا في حدود غير مرسمة بيْن البلديْن ليصبّ في البحر عند العريضة)، المعروف بفيضاناته الشديدة، خصوصًا في الشتاء، ما يتسبّب بخسائر مادية وزراعية فادحة سنويًا، لا سيّما في وادي خالد، ونتيجة لقوّة جريانه وارتفاع منسوب مياهه، جرفت سيوله 11 سوريًا كانوا يسعون إلى الوصول للبنان.

ولعبت فرق الإنقاذ التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية دورًا محوريًا في البحث عن المفقودين في مجرى النّهر بالقرب من قرية الشبرونية الواقعة على الحدود السورية–اللبنانية وذلك بالتنسيق مع وحدات الجيش اللبناني، وقد أسفرت جهودها عن إنقاذ ثلاثة أشخاص (امرأتان وشاب)، خلال الليلة الماضية، كانوا بصحّة جيّدة.

إلا أنّ مصير المفقودين، وهم رجل مسنّ وامرأتان وخمسة أطفال، ما زال مجهولًا حتّى الآن، ولم يتمّ تحديث معلوماتهم أو أخبارهم من الجانب السوريّ الذي يُتابع هذه الحادثة. ويُواجه هؤلاء، خطرًا جسيمًا لا يقتصر على ارتفاع منسوب النّهر فحسب، بل يرتبط بعوامل عدّة منها: الألغام التي زرعها النّظام السوريّ السابق على ضفاف النّهر، وجود نفايات، وأغصان متراكمة محتملة في مجرى النّهر، خصوصًا عند الجانب اللبناني، بالإضافة إلى صعوبة التعامل مع تدفق المياه في منطقةٍ صعبة جغرافيًا، ما دفع الوزارة إلى استقدام غواصين للبحث عن أشخاص يُحتمل أنّهم لا يحملون أوراقًا ثبوتية، ممّا اضطّرهم إلى التوجّه بطريقةٍ غير شرعية إلى لبنان.

*معطيات*

بناءً على المعطيات، فإنّ هذه الحادثة لم تقع على الجانب اللبناني أساسًا لتستدعي تدخلًا من الجيش، بل حصلت أثناء محاولة المجموعة عبور النّهر في محيط قريتيّ الشبرونية والدبوسية بمنطقة تلكلخ في ريف حمص الغربي. ويُعدّ هذا الطريق معتمدًا للهروب بطريقةٍ غير شرعية، وقد استخدمه آخرون سابقًا للخروج من سوريا، لكنّه كان محفوفًا بالمخاطر خلال الأيّام الأخيرة، بسبب المنخفض الجويّ القاسي.

وحسب هذه المعطيات، فإنّ اجتيازهم النّهر كان بأمرٍ من المهرّب الذي حاول ربما إقحام الجيش في هذا المشهد لصرف الانتباه عن فعلته وجريمته، ولم تصل المجموعة إلى النّقطة اللبنانية التي تسمح للجيش بالتدخل فيها “وحتّى لو وصلت إلى النّقطة اللبنانية، فلن يأمرهم الجيش بعبور النّهر، بل سيُعيدهم إلى المعابر الشرعية لإعادتهم إلى بلادهم، وهي طريقة معتادة”.

وتُضيف: “الحادثة ليْست عرضية، بل تُؤكّد تنامي قوّة شبكات التهريب واستغلالها للوضع “الهش” بيْن الدولتيْن، وذلك في ظلّ أمريْن: فلتان الحدود وعدم ترسيمها، وغياب التنسيق الفعّال بيْن الدولتيْن، خصوصًا أنّ الجهة السورية باتت تتعامل بدقّة مع الجهة اللبنانية وبصمتٍ سياسيّ تام.

يُمكن القول، إنّ الفاجعة النّاتجة عن التهريب غير الشرعيّ هي الأولى منذ فترة، وتأتي بعد أيّام من إلقاء السلطات السورية القبض على 12 شخصًا (بينهم ضباط من النّظام السابق) على الحدود، ولكن لوحظ خلال الفترة الماضية، أنّ هذه المجموعة لم تكن وحدها ضحيّة المعابر غير الشرعية أو المهرّبين، بل أُصيب الكثير من السوريين أخيرًا، بجروحٍ نتيجة انفجار ألغام أرضية بهم (زرعها النّظام السوريّ السابق) أثناء محاولتهم عبور أحد المعابر غير الشرعية من الضفة السورية لمجرى النّهر إلى الضفة اللبنانية في وادي خالد، الأمر الذي يُؤكّد غياب السلامة والأمان في هذا النّوع من التنقلات.

*مطالب*

وفي السياق نفسه، تعكس هذه الحادثة رغبة سكّان البلدات العكّارية المطلّة على هذا النّهر، في ضرورة تعزيله وتنظيف مجراه، حيث يُطالب سكّان القرى الحدودية منذ أعوام بتعزيل النّهر بصورة دورية، أو بإنشاء ساتر واق وهو غير موجود من الجهة اللبنانية ولكنّه موجود من الجهّة السورية، وذلك لحماية المزروعات والحدّ من تدفق النّهر نحوها ونحو المنازل.

ووفق معطيات “لبنان الكبير”، قدّمت بلدية وادي خالد، طلبًا لتعزيل النّهر وحصلت على موافقة من وزارة الطاقة وتوفير تمويل لـ 1500 متر، ولكن بعد أنْ باشرت بالأشغال، أوقفها الجيش اللبناني لأسبابٍ غير معلومة تستدعي المراجعة. وبعد هذه الحادثة، ارتفعت أصوات السكّان خوفًا من الأمطار الغزيرة التي تُسبّب أضرارًا بممتلكاتهم، وطالبوا الجيش بالسماح لهم باستكمال أعمال التنظيف قبل وقوع أيّ كارثة.

شارك المقال