لم يرضخ معظم القرى الجنوبية لمشروع التهجير الذي أصبح واقعاً فيما بعد، ولأن “الرزق يساوي الروح”، وغالبية أبناء هذه القرى تعتاش من الأرض وتربية الماشية، أصبح الصمود هو الحلّ الأنسب في سبيل الدفاع عن لقمة العيش وتعب السنين، إلى أن لامس الخطر بيوتهم وأرزاقهم، فأصبح النزوح ضرورة ولو في فترات المساء حتى ساعات الصباح الأولى.
ففي بلدة شبعا الواقعة تحت مرأى موقع “الرادار” الاسرائيلي والمعروفة بزراعة الكرز، نزحت قرابة 450 عائلة من سكانها من أصل أربعة آلاف مقيم، ولا يزال حوالي 20 في المئة خارج البلدة، ممن تقع منازلهم في الأطراف الخطرة التي تتعرض للقصف بصورة دائمة.
مختار بلدة شبعا ابراهيم نبعة، يشير في حديثه لموقع “لبنان الكبير” إلى أن هناك ما يناهز 800 أسرة في شبعا، عادت من مناطق النزوح بسبب أعباء نفقات التهجير مثل حال الكثير من اللبنانيين الذي رجعوا إلى قراهم بعد نفاد مدخراتهم التي حصلوا عليها من قطاع الزراعة والمواشي التي تأثرت بصورة كبيرة بسبب الحرب.
وبحسب نبعة تعثّر مدخول زهاء 300 عائلة تعتمد في معيشتها على تربية المواشي وإنتاج الألبان والأجبان. فالرعي صار مستحيلاً في الأطراف التي تتعرض للقصف، وتعذّر على المربّين نقل مواشيهم إلى المشاتي في الساحل، ما أدى إلى نفوق مئات رؤوس الأغنام والبقر والماعز.
وبالاضافة إلى رعي الماشية وانتاج الألبان والأجبان، يوضح نبعة أن “شبعا كانت تنتج الخضار الشتوية كالفول والبازيلاء والثوم بكميات كبيرة، لكن الاعتداءات منعت المزارعين من الوصول إلى أراضيهم والعناية بها. فالزراعات كانت تتركز في وادي شبعا وعين الجوز التي تتعرض للاعتداء من المدفعية الواقعة في التلال”.
أمّا موسم الكرز “فانضرب”، هكذا يعبّر المختار لموقع “لبنان الكبير” عن الخسارة التي أصيب بها مزارعو الكرز والخسارة المادية التي لا تعوّض، فمعظم المحصول لم يتمكنوا من تصديره إلى المدن مثل صيدا، بيروت والنبطية، هذا في حال استطاعوا الوصول إلى حقولهم الموجودة على الأطراف، مكان الاعتداءات.
وقبل يومين عاد التوتر من جديد إلى شبعا، بعد الاستهداف الذي تعرضت له البلدة وأسفر عن استهداف منزل من دون وقوع اصابات، الأمر الذي قد يكون سبباً لنزوح بعض السكان مرّة أخرى.
محمد تفاحة، أب لأربعة أطفال، يؤكد لموقع “لبنان الكبير” أنه لم ولن يترك شبعا، ولو تأزّم الوضع، فهو يقوم بنقليات يومية بواسطة “البيك آب”، من أجل تأمين مصروف يومه إلى صيدا والبقاع.
صحيح أن شبعا واقعة عند خطوط التماس، إلاّ أنه يحاول وعائلته أن يعيشوا يومهم بصورة عادية، فأولاده لم ينقطعوا عن المدرسة الواقعة في البلدة إلاّ لفترات بسيطة بسبب اشتداد القصف، وفي معظم الأحيان يقوم بايصالهم على مسؤوليته الخاصة بطلب من الادارة.
أمّا الخطر الحقيقي فيتربص بهم ليلاً بسبب القصف المدفعي، ويضيف: “السكان يلتزمون بيوتهم مساءً، ولا أحد يتجوّل بعد الساعة السادسة”.


