في خضم الأزمات والحرب التي تعصف بلبنان، يبرز سائقو التاكسي وموظفو النقل العام كرمز للصمود والمثابرة. هؤلاء الأبطال، الذين يخرجون كل صباح باحثين عن لقمة العيش، يمثلون تجسيداً حياً لمعاناة الشعب اليومية، بحيث تتعطل أحلامهم كلما تعثرت مسيرة الوطن.
انتهت فترة الصيف، التي كانت تُعتبر موسماً لتحقيق المكاسب المالية، لتحل محلها أجواء من القلق والحرب التي شلّت الأمل المتبقي في هذه المهنة. تجد السائق يتجول بين الشوارع المكتظة، محاولًا العثور على راكب أو أكثر، لكن مع كل دقيقة تمر، يصبح من الصعب تغطية تكاليف الوقود التي تستهلكها سيارته. مشهد السائق الذي يواجه الزحام اليومي، وهو يحاول التوفيق بين احتياجات أسرته وواقع الحياة القاسي، يعكس عمق التحديات التي تواجه المجتمع اللبناني.
تتراجع خدمات النقل العام تدريجياً، خصوصاً في ظل هذه الظروف القاسية. ولتحويل سيارة إلى وسيلة نقل مشترك، يتوجب على صاحبها الحصول على ترخيص رسمي، يتمثل في اللوحة المعدنية الحمراء. لكن في العديد من المناطق، لا نجد هذا الترخيص، بحيث أصبحت هذه المهنة مجرد خدمة توصيل تُمارس من دون أي رقابة أو تنظيم. في زحلة، لا تزال سيارات المرسيدس القديمة تصطف على الأرصفة، يصفّر سائقوها للمارّة: “تاكسي تاكسي”.
ومع ذلك، يبقى سائقو النقل العام في لبنان هم الأبطال الصامتون الصامدون الذين يتحملون أعباء الحياة اليومية. في كل رحلة، يحملون آمال الركاب وأحلامهم، بينما يحاولون التكيف مع واقعهم القاسي، فهم يمثلون رمزاً للصمود والإصرار، فيتجاوزون الصعوبات ويواجهون التحديات بكل شجاعة، ليظلوا شعلة أمل في زمن الأزمات.
وقد أظهرت التجارب أن هؤلاء السائقين ليسوا مجرد ناقلين للأشخاص، بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، يحملون معهم قصص الحياة اليومية، من الفرح إلى الحزن، ومن الأمل إلى اليأس، ويعكسون روح لبنان، الذي لا يزال يقاوم، على الرغم من كل الصعوبات. الا أن عدم الاستقرار السائد يهدد سلامة السائقين، بالاضافة إلى أن التسعيرات ترتفع بصورة ملحوظة في المناطق ذات الأوضاع الأمنية المتدهورة وخصوصاً الضاحية الجنوبية لبيروت.
يحكي مصطفى، سائق تاكسي، عن التغيرات التي شهدها قطاع النقل في بيروت خلال الفترة الأخيرة، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “الأوضاع اختلفت تماماً، وارتفاع الأسعار أثر بصورة كبيرة على الطلبات. مع الزحمة المرورية والضغوط الاقتصادية، نحاول دائماً أن نكون في خدمة الناس، وخصوصاً النازحون الذين يحتاجون إلى الدعم”.
ويتحدث مصطفى عن كيفية تأثير الأزمات المتتالية على رحلاته اليومية، فيشير الى أن “تكلفة الرحلة من بيروت إلى زحلة كانت حوالي 50 دولاراً، أما اليوم فصارت 100 دولار. والأمر نفسه ينطبق على الرحلات الأخرى، مثل الطريق من الجميزة إلى المطار، التي ارتفعت تسعيرتها من 20 إلى 40 دولاراً. حتى الرحلة من ساحة رياض الصلح إلى النبطية أصبحت تكلف 150 دولاراً، وكذلك من صيدا إلى البترون”.
كل ذلك يُظهر أن السائقين، على الرغم من التحديات المالية، يبذلون جهداً كبيراً في تلبية احتياجات الركاب، ويؤكد مصطفى “نحن هنا لنساعد الناس، لكن علينا أيضاً أن نغطي تكاليفنا. الوضع ليس سهلاً، ولكننا نحاول الاستمرار في العمل وتقديم أفضل خدمة ممكنة”.
في حديثه عبر موقع “لبنان الكبير”، يلفت رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري بسام طليس، إلى أن العدوان الذي يتعرض له لبنان أثّر بصورة كبيرة على قطاع النقل، خصوصاً في بيروت، التي تعاني من ازدحام خانق يؤثر سلباً على حركة السائقين وإنتاجيتهم.
ويوضح طليس أن الأزمات التي يمر بها لبنان، بما في ذلك الحرب المستمرة، أدت إلى تراجع ملحوظ في حركة السيارات، “فالغارات والاعتداءات تستهدف كل القرى والمدن والطرق العامة والفرعية، ما ساهم في انخفاض النشاط في هذا القطاع الحيوي”.
ويقول طليس: “العديد من أصحاب سيارات الأجرة شهد تراجعاً في عمله ووضعه المالي، تماماً كما هو الحال بالنسبة الى بقية المواطنين. ومع ذلك، فالتغطية الصحية للعاملين في قطاع النقل البري لم تتأثر، بحيث تظل أبواب مراكز الضمان الاجتماعي مفتوحة. لقد نزح العديد من أصحاب السيارات العمومية إلى بيروت وجبل لبنان والمناطق الشمالية، ما يضمن استمرار تقديم الخدمات الصحية”. لكنه يشير إلى أن معيشة السائقين وعائلاتهم تأثرت بصورة كبيرة بالأوضاع المالية والأمنية المتدهورة، ما أدى إلى تراجع أعمالهم مثلما حدث في بقية القطاعات”.
“الوضع صعب، لكننا نعمل جاهدين لحماية حقوق السائقين وضمان استمرارية القطاع في ظل هذه الظروف الصعبة”، بحسب طليس.


