بعد إقالة دولودوفيتش من تدريب المنتخب… هل يعود الخيار المحلي للواجهة؟

عمر عبدالباقي

في الوقت الذي كانت فيه مواقع التواصل الاجتماعي تغص بالتكهنات حول خليفة المدرب المونتينيغري ميودراغ رادولوفيتش، كانت الحقيقة على أرض الواقع أكثر تعقيدًا وهدوءًا مما يتصوره جمهور كرة القدم اللبناني.
عقب اجتماع اللجنة التنفيذية للاتحاد اللبناني لكرة القدم يوم الأربعاء، خرجت بعض التسريبات التي أعادت اسم المدرب الجزائري مجيد بوقرة إلى الواجهة، وسط موجة كبيرة من التحليلات والتكهنات الافتراضية. إلا أن الواقع يؤكد أن الأمور لم تُحسم بعد بشكل كامل.
الخطوة الأولى كانت فسخ عقد رادولوفيتش رسميًا، مع إبقاء خيار مدرب لبناني مؤقت لمباراة لبنان المرتقبة ضد اليمن ضمن تصفيات كأس آسيا 2027. جاء هذا القرار بعد مراجعة تجارب سابقة للاتحاد ودراسة حالات تعيين مدربين أجانب لم تحقق النتائج المرجوة، مثل ما حدث مع المدرب ألكسندر إيليتش.
في الوقت ذاته، وُجهت البوصلة نحو التفاوض مع مدربين محتملين، أبرزهم مجيد بوقرة الذي تم الاتفاق على معظم تفاصيل عقده، إضافة إلى دراسة أسماء مدربين لبنانيين قادرين على قيادة المنتخب مؤقتًا، مثل جمال طه وجمال الحاج، مع أرجحية لطه نظرًا لنجاحاته مع المنتخب الأولمبي.
وأكد الأمين العام للاتحاد اللبناني لكرة القدم، جهاد الشحف، أن اختيار مدرب جديد للمنتخب الوطني بعد فسخ عقد المدرب السابق يعتمد على معايير محددة، منها الإنجازات السابقة للمدرب، خبرته التدريبية، مستوى اطلاعه على الكرة اللبنانية، ومعرفته باللاعبين المحليين وقاعدة المنتخب.
وقال الشحف في حديث لموقع “لبنان الكبير”: «المهم قبل كل شيء تقييم السيرة الذاتية للمدرب ومقارنتها بالمعايير المطلوبة، لضمان أن يكون الخيار مناسبًا لتطلعات المنتخب».
وردًا على سؤال حول تحديد الاتحاد ما إذا كان المدرب المقبل سيكون لبنانيًا أم أجنبيًا، أوضح الشحف أن «المنظومة لم تحسم بعد أي اتجاه، والأسماء لا تزال قيد التداول».
وعن تقييمه لأداء رادولوفيتش، أضاف الشحف: «يعطيه العافية، لكن لا يمكن القول إنه أكمل مسيرة أو أوصلنا إلى بر الأمان. كانت هناك مباريات فاصلة، مثل مواجهة السودان، أظهرت بعض التحديات».
وحول الأسماء المتداولة لتولي تدريب المنتخب، مثل مجيد بوقرة، نفى الشحف وجود أي قرارات نهائية حتى الآن، مؤكدًا أن كل الأسماء تُناقش حاليًا في إطار العمل الجدي للاتحاد، وأن المسألة أكثر من مجرد تداول أو مزاح، بل تُدرس بجدية قبل اتخاذ أي قرار.
شكّل قرار إقالة مدرب منتخب لبنان لكرة القدم مفاجأة من حيث التوقيت، وإن كان متوقعًا في المضمون. فالمؤشرات التي سبقت القرار كانت توحي بأن العلاقة بين الجهاز الفني والاتحاد وصلت إلى مراحلها الأخيرة، خصوصًا بعد الأداء الأخير للمنتخب وما رافقه من علامات استفهام حول هويته وخياراته الفنية.
وعلى الرغم من أن الكثيرين كانوا يرجحون اتخاذ القرار بعد مباراة اليمن ضمن الجولة الأخيرة من تصفيات كأس آسيا، المقررة أواخر آذار المقبل، إلا أن الاتحاد حسم خياره باكرًا، بعد الوصول إلى قناعة واضحة عقب مواجهة السودان في ملحق التأهل إلى كأس العرب في قطر، مفادها أن المدرب لم يعد الاسم القادر على قيادة المنتخب في المرحلة المقبلة.
الأداء الفني للمنتخب خلال الفترة الماضية عكس تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالبدايات، إذ بدا واضحًا أن الصورة اختلفت بين التجربة الأولى والثانية للمدرب. ففي المرحلة الأولى، نجح في تقديم كرة قدم متوازنة، مستفيدًا من الإمكانيات المتاحة، ومحسنًا توظيف اللاعبين المحليين وفق قدراتهم الواقعية، ما انعكس إيجابًا على النتائج والمردود العام.
إلا أن المرحلة الثانية حملت تحوّلات كبيرة، أبرزها الاعتماد المتزايد على لاعبين من أصول لبنانية ينشطون في الخارج، وهنا بدأت التحديات بالظهور. فقد بدا أن الجهاز الفني لم يتمكن من استثمار هذه الأسماء بالشكل الفني المطلوب، سواء على مستوى الانسجام أو الخيارات التكتيكية، فانكشفت تدريجيًا ثغرات لم تكن ظاهرة في السابق، وتراجع الأداء بدل أن يتحسن.
وفي هذا السياق، قال الناقد الرياضي وسيم صبرا في حديثه لموقع “لبنان الكبير” إن قرار الإقالة كان متوقعًا، وإن فاجأ كثيرين بتوقيته، معتبرًا أن الاتحاد توصّل بعد مباراة السودان إلى قناعة نهائية بأن الاستمرار مع المدرب لم يعد مجديًا. وأضاف أن الفارق بين الحقبتين الأولى والثانية كان واضحًا، إذ تحوّل الأداء من تصاعدي إلى تراجعي، خصوصًا مع سوء استثمار اللاعبين المحترفين.
وعن التوجه المحتمل نحو التعاقد مع مدرب عربي في المرحلة المقبلة، رأى صبرا أن هذا الخيار قد يكون مناسبًا، لا سيما بعد سلسلة تجارب مع مدربين أجانب يمتلكون سيرًا ذاتية قوية، لكنهم فشلوا في ترك بصمة حقيقية، سواء فنيًا أو إداريًا. وأكد أن القرب الثقافي والذهني للمدرب العربي من اللاعب اللبناني قد يشكّل عاملًا مساعدًا في إعادة ضبط الإيقاع داخل المنتخب.
أما فيما يتعلّق بالمفاضلة بين مدرب أجنبي وآخر محلّي، فأشار إلى أن تجربة جمال طه مع المنتخب الأولمبي كانت ناجحة نسبيًا، إلا أن الضغط الكبير وكثرة الانتقادات في الساحة اللبنانية تجعل من الصعب المجازفة بخيار محلي حاليًا، خصوصًا أن أي إخفاق يُواجه بحملات قاسية قد تُعيق العمل الفني. ورغم الانتقادات التي طالت طه سابقًا، إلا أن كثيرًا منها تلاشى بعد الأداء اللافت في كأس آسيا بالسعودية، ما يؤكد أن الحكم غالبًا ما يكون انفعاليًا أكثر منه موضوعيًا.
وعن التغييرات المنتظرة مع المدرب الجديد، اعتبر صبرا أن المشكلة لم تكن في التفاصيل اللوجستية أو التنظيمية، إذ يعمل الاتحاد على تأمين معسكرات مناسبة واستقدام محترفين، بل في القيادة الفنية نفسها. وشدّد على ضرورة منح المدرب الجديد – المرجح أن يكون الجزائري مجيد بوقرة – الوقت الكافي، عبر معسكر إعداد طويل نسبيًا، للتعرّف إلى اللاعبين وتطبيق فلسفته، وهو ما يتطلّب تعاونًا من الأندية المحلية وتفهّمًا لاحتمال تأجيل بعض جولات الدوري.
بهذا المعنى، تبدو المرحلة المقبلة مفصلية في مسار المنتخب اللبناني، حيث لا يقتصر التحدي على اسم المدرب، بل على القدرة في بناء مشروع واقعي، متوازن، وقابل للاستمرار، يعيد الثقة للمنتخب ويضعه مجددًا على السكة الصحيحة.

شارك المقال