هل تضيع العدالة في قضية المرفأ؟!

شباب لبنان الكبير 23 تشرين الأول , 2021 - 12:21 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

من الشارع هذه المرّة، تصدّر التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت المشهد السياسي. التظاهرة التي دعا إليها الثنائي الشيعي أمام قصر عدل بيروت تنديداً بأسلوب المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحوّلت إلى اشتباك مسلّح أودى بحياة سبعة أشخاص وخلّف عشرات الجرحى.

أعاد هذا المشهد المسلح ذاكرة اللبنانيين والقاطنين في الشياح وعين الرمانة ومحيطهما إلى أيام الحرب اللبنانية التي ظننّا أن صفحتها طويت إلى الأبد. إلّا أن ما حصل يؤكد أن شبح الحرب ما زال ماثلاً في الاذهان وأن حزب الله ماضٍ في محاولاته لـ" قبع" البيطار وإطاحة التحقيق العدلي بأي ثمن حتّى لو كلّفه ذلك المس بالسلم الأهلي.

التظاهرة المسلحة لم تكن أولى المحاولات، بل سبقتها خطوات عدّة بدأت بحملات إعلامية شعواء شنّتها وسائل الإعلام التابعة للثنائي على التحقيق العدلي مروراً بزيارة منسّق وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" وفيق صفا المشبوهة إلى العدلية وتهديده القضاء وصولاً إلى تهديدات الأمين العام لـ "حزب الله" حسن نصرالله شخصياً للقاضي البيطار واتهامه بالاستنسابية وبتسييس التحقيق انتهاءً بالتهمة الجاهزة بتلقي الأوامر من السفارات.

حاول الحزب تفجير التحقيق من الداخل بالوسائل القانونية لكن محاولته لم تنجح إذ ردّ القضاء طلبي رد البيطار، فقرر الحزب إقصاء البيطار في الشارع باستعراض فائض القوة.

كلّ تعدّ على سيادة الدولة يندرج ضمن استعراض قوة السلاح، فالحزب لا يعير أي أهمية لمؤسسات الدولة لا بل يعتبر نفسه فوق الدستور والقانون وفوق المؤسسات. هذا الاستقواء تمثّل في تهديد وفيق صفا للمؤسسة القضائية في عقر دارها ومعها مجلس القضاء الأعلى والمحقق العدلي أوّلاً، ومن ثم بمحاولة فرض ارادة حزبه بقبع البيطار على مؤسسة مجلس الوزراء خلافاً لمبدأ فصل السلطات، وأخيراً في أحداث عين الرمانة - الطيونة.

سلوك الثنائي الشيعي، وبالأخص "حزب الله"، في الأشهر الأخيرة، التي أتت اشتباكات الشارع كتتويجٍ لها، تطرح بعض الأسئلة البديهية:

أولاً، إذا لم تتلطخ أيدي الحزب بجريمة المرفأ وبمسألة استيراد النيترات لصالح نظام الأسد، كما أعلن نصرالله مراراً، لماذا الهلع من التحقيق والإصرار على عرقلته بأي ثمن؟

ثانياً، اذا كان الحزب أول المطالبين بالتحقيق المحلي لاعتباره أن التحقيق الدولي مسيس ويأتمر من الغرب، وهو اليوم يريد إيقاف تحقيق المرفأ بكل ما أتيح أمامه من سبل، فأي قاضٍ يريده الحزب؟ أو بالحري، هل يريد حقاً تحقيقاً في جريمة الرابع من آب؟

ثالثاً، استعمل الحزب بنزوله إلى الشارع سلاحه في الداخل اللبناني موظّفاً فائض القوة لزعزعة السلم الاهلي والاستقرار في منطقة مسيحية حساسة مثل عين الرمانة، مما دفع البعض إلى وصفه بـ7 أيار جديد. فهل كان "حزب الله" يوماً مقاومةً موجهة الى فلسطين المحتلة كما يدّعي؟ أو هو ميليشيا مسلحة تأتمر من إيران بحجة دعم القضية الفلسطينية وتحرير القدس؟

أحداث الطيونة ظهّرت المشهد أكثر فأكثر وأظهرت أن في لبنان جهات تريد تفجير التحقيق في قضية الرابع من آب تماماً كما فُجّر مرفأ بيروت، وذلك لغايات مشبوهة لم تعد خافية على احد. ويظن الثنائي أنه بترهيب من هنا واشتباك مسلح من هناك يستطيع أن يقصي القاضي البيطار ويضعه تحت مطرقة أمنه الشخصي والسلم الأهلي وتفكّك الحكومة وأزمة النظام... إلّا أنّ القاضي لن يتراجع، فهو مسك بـ"راس الخيط" في قضيته وسيمضي فيها إلى الآخر، وهذا ما يرعب البعض، ربما لتورطهم.

في كلّ دول العالم هناك قضاء يحقق ويصدر الأحكام باسم الشعب، فيُعرف من هو الظالم ومن هو المظلوم وتظهر الحقيقة وتتحقق العدالة، اما عندنا فنسأل: أين القانون في وطنٍ عرف عن عاصمته بكونها "أم الشرائع"؟ أين العدالة في لبنان؟ إنّها ضائعة دائماً، ويا للأسف. إنّ الغالبية العظمى من جرائم الارهاب والاغتيالات التي أدمت المشهد اللبناني - أقلّه في العقود الثلاثة الماضية - إمّا عُرقل التحقيق فيها أو انه لم يصل إلى نتيجة أو تمت تصفية أبرز شهوده ومدركي حقائقه. فأين العدالة من اغتيالات الرئيس رينيه معوض مروراً بوسام الحسن ووسام عيد وبيار الجميل وكثيرين غيرهم وصولاً إلى لقمان سليم؟

تراهن بعض القوى، وعلى رأسها الثنائي، على أن صوت العدالة سيضيع في دهاليز الاصطفافات الطائفية والمذهبية كما ضاع في قضايا أخرى وأن القضاء سيجاريها في لعبتها البغيضة، إلّا أن قضية المرفأ لن تموت، وطالما هناك شعبٌ جبار لا يأبه للترهيب وقادر أن يردع بصموده مئة ألف مقاتل، فلن تستطيع عراضات السلاح أن تحجب شمس العدالة.

وفي الخلاصة، لا صوت يجب أن يعلو على دوي انفجار الرابع من آب، وإن حسان دياب وعلي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق ويوسف فنيانوس وكل المدعى عليهم التي أُشعلت جبهات الشارع كرمى لعيونهم، ليسوا أهم من شهداء المرفأ، فكفى استهتاراً بالدماء، التي لم تجفّ حتى اليوم ودموع الأمهات التي لم تجف بعد! ونداؤنا لهؤلاء: إتّقوا الله في ما تفعلون، ودعوا العدالة تأخذ مجراها.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us