تحية من بيروت الى النسوة الأوكرانيات المناضلات

شباب لبنان الكبير 28 شباط , 2022 - 12:06 ص

 

مع بداية الغزو على أوكرانيا، بدأنا نسمع ونقرأ العديد من النكات المسيئة والتي يشوبها طابع السخرية عن النساء الأوكرانيات، في ضوء ما آلت اليه الأمور في البلاد. فكيف لنا بإلقاء النكات وأكثر من خمسة وأربعين مليون مواطن مهددون بالموت والتشرد في ظل هذه الحرب التي لا حول لهم ولا قوة فيها؟.

لقد عشت في أوكرانيا مع أسرتي لفترة من الوقت، حضنتني هذه البلاد الجميلة وشعبها الطيب الصادق وأرضها الخيّرة الى حين انجابي طفلتي كاي، ولم أر في حياتي اهتماماً بالطفل والأم كالرعاية التي تلقيتها في مستشفيات العاصمة كييف، فالطفل وصحته وحياته محور اهتمام الدولة منذ لحظة الولادة، بحيث تمنع الأم من تناول حبة "بنادول" خوفاً على صحة الرضيع ولما لهذا الدواء من تأثير على صحته، وتبقى في المستشفى لمدة خمسة أيام حتى الاطمئنان الى صحة المولود واجراء الفحوص اللازمة واختيار طبيب أطفال معاين له. وحظيت هناك بالعديد من الارشادات والتعليمات المتعلقة بالأمومة، فضلاً عن المساعدات التي تقدمها الدولة الى الأطفال والأهل.

الأم هناك تكرّس أكتر من نصف وقتها لرعاية أطفالها، وكنت أفاجأ بمقدار التضحية التي تقدّمها النساء الأوكرانيات. فكيف لهذه الأم أن تربي ولدين أو ثلاثة وتتفرغ لرعايتهم في المنزل من دون أن تذهب الى العمل وذلك كله على حساب تحقيق أحلامها، ومعظم الأمهات حائزات على شهادات جامعية؟. كم يتطلب هذا من جهد أن أنسى كل أحلامي وآمالي كي أتفرغ لتربية أطفالي! هكذا كنت أقول لنفسي كل صباح وأنا أشاهدهن يومياً من على شرفتي في المجمع السكني الذي عشت فيه أنا وعائلتي، يضعن أولادهن في العربة ويأخذنهم في نزهة الى "البارك" ويمضين وقتهن في مشاهدة أطفالهن يلعبون ويكبرون على حب الأرض، ويعتادون على الجو البارد، ويصبح هذا الأمر بمثابة روتين يومي لهن. لكن الأم سعيدة بذلك تراها مبتسمة فرحة وتعابير وجهها توحي بالدفء والسلام وهي برفقة أطفالها. والبعض منهن يضطر للذهاب الى العمل في وظائف مختلفة كمدرسات أو موظفات أو طبيبات، وأخريات في وظائف شاقة كقيادة القطارات أو ماكينات جرف الثلج منذ الصباح الباكر وحتى المساء ولمدة 12 ساعة، غير آبهات لبرودة الطقس ودرجات الحرارة التي تصل الى حدود 20 درجة تحت الصفر .

تعيش الأسرة في أوكرانيا في منزل لا تتعدى مساحته الـ 50 متراً، مؤلف من مطبخ وغرفة نوم واحدة أو غرفتي نوم وحمام، ولكن في معظم البيوت ينام الأب والأم في المطبخ على كنبة ليحظى الأولاد بغرف نوم مستقلة. ونظراً الى توافر وسهولة المواصلات الموجودة في أوكرانيا من حافلات الى مترو الى قطار أو حتى تاكسي، نرى أن أكثر من نصف النساء لا يحتاج الى اقتناء سيارة، ولكن هذا أمر عادي جداً، فتستقل الأم برفقة أطفالها الحافلة وتذهب الى العاصمة أو السوق. وتتألف أوكرانيا من مدن عدة تبعد كل واحدة عن الأخرى حوالي ست ساعات، ولذلك عندما تتزوج الفتاة تستقل في بيت زوجها بعيدة عن أهلها، وترعى أطفالها وبيتها وحدها وتراها سعيدة بذلك، وفي حال انفصال الزوجين فهي تقوم بالمستحيل من أجل حضانة أطفالها وتضحي بالكثير للبقاء معهم.

هذه الدولة وقفت الى جانب الشعب اللبناني في محنة الكورونا وأمدّته بالمساعدات الطبية والأدوية، وأيضاً بعد انفجار المرفأ، قدمت أوكرانيا لنا شحنة من الأدوية والمواد الغذائية تسلمها الجيش اللبناني، وأبدت استعدادها لتزويدنا بمئات الأطنان من الطحين، فكيف يكون رد الجميل، بالنكات المسيئة الى الفتيات الأوكرانيات؟.

لقد مرّ هذا الشعب الطيب بالعديد من المحطات التاريخية والحروب، وفي ظل تلك الظروف المعيشية القاهرة اضطرت نسبة قليلة جداً للعمل في وظائف غير محبذة، لتأمين لقمة العيش وكسرة الخبز، وليس لشراء حقيبة يد ذات ماركة عالمية، أو حتى لاقتناء سيارة موديل السنة كما يفعل البعض في مجتمعنا، حيث وصلنا مع الأسف الى ارتفاع في نسب الطلاق التي باتت تتخطى الـ 60% وما ينتج عنها من نتائج سلبية على صعيد تفكك الأسرة وضياع الأطفال ومعاناتهم النفسية.

لذلك، أمام هذا الواقع المأساوي فلنركز على ترميم بيتنا الداخلي والحد من تفكك مجتمعنا، بدلاً من السخرية والاساءة الى فتيات يحملن السلاح ويدافعن عن بلادهن وكرامتهن ببسالة .

من المعيب أخلاقياً وانسانياً ودينياً ومجتمعياً وسلوكياً في هذه الحرب البشعة أن نضحك فيما الأطفال يدمعون والعائلات تهجر والمدن تدمر. دعونا نصلي قليلاً ليحل السلام في العالم أجمع.

سلام من بيروت الحبيية الى المناضلات الأوكرانيات الجميلات. كان الله في عون هذا الشعب الطيب... وفي عون أهلنا في لبنان.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us