الحبل السري للوطن

 

يظنون أن الهروب من أرض الوطن هو ولادة جديدة ونقية في أحضان أم جديدة تستحق طموحاتهم وتطلعاتهم، متجاهلين الحقيقة التي تصدمهم في بعض الأحيان متأخرة!.

وطني يشبه الأم، في البداية يمنحنا الحياة التي من خلالها نمر بتجارب منها تعلمنا ومنها نتأقلم معها. مع كل يوم يمضي، يُزرع فينا أمل جديد. الأمل في التغيير، الأمل في المضي قدمًا لكي نبني حياة تلبّي رغباتنا وأحلامنا، مع العمر يزيد حب الوطن، فهو يأتي بالفطرة منذ الولادة، لا نتعلم حبه ولا نكتسبه أيضاً.

يشعرنا بالأمان في ذروة عدم استقراره تماماً كما تفعل الأم مع طفلها، يحسسنا بالاستقرار كي لا نحزن أو نفكر بالابتعاد عنه، فمن شدة حبنا وتعلقنا به، ندخل في المجهول حيث نبتعد عن الواقع ونرفض تقبّل الحقيقة التي نعيشها.

من هنا يبدأ التخبط بين الواقع والأوهام، أصبح العمر يمر والأحلام التي وعدنا بها منذ الولادة تبينّ أنها مجرد حبرٌ على ورق ولا وجود لها في هذا الوطن!

يا له من صراع داخلي يسببه لنا، فهل بإمكاننا البحث عن حضن جديد يمكنه أن يعوض لنا النقص الذي ينبع من داخلنا بعد ترك الأرض التي ربينا على حبها والدفاع عنها رغم الخيبة التي نعيشها يومياً؟.

هنا نبدأ بمواجهة الواقع، نترك الأوهام ونهرب من الخيبة. العيش في وطن اللاوطن حيث يقدم لنا جميع الفرص الغائبة عنا في بلدنا المنهوب والموروث من طبقة سياسية تتقاسم وتتحاصص ولا تترك لنا إلا الفتات.

نعيش في بلد حيث نشعر بوجودنا، يقدم لنا فرصاً لم نكن نحلم بها في بلادنا، كنا نطالب بأدنى الحقوق وهنا لدينا أكثر مما نطمح له. الكثير من الأحلام بدأت تتحقق وبدأنا بنسيان أرضنا بسبب الاكتفاء الذي يمنحنا إياه المضيف الجديد دون التفكير بالعودة.

نخسر شعور الانتماء مع كل يوم يمضي، فنشعر بالانفصال عن جميع الأوطان لاإرادياً. نتخبط بين الحنين والاستقرار، فلم نعد قادرين على التكيف مع الحاضر الذي نعيشه رغم كل التقديمات الممنوحة من البلد المضيف.

نسأل أنفسنا في كل يوم إن كان هذا القرار صائباً أم يجب العودة إلى حضن الوطن، حيث علينا أن نثور من أجل استقلاله من المحتلين الذين قطعوا “الحبل السري” الذي يربطنا بأرضنا.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us