بين العداء والتحرر أمور مخفيّة

 

لقد تعلمنا منذ الصغر، ونحن أطفال نتوق للوطنية على مقاعد الدراسة، أن عدو لبنان واحد ومعروف الهويّة. كبرنا ونحن لم نشكك يومًا في ما كُتب في كتاب التربية الوطنية والتاريخ. لم نشكك يومًا، فماذا هناك من أسرار يخبئها أساتذتنا؟

كبرنا ولم نعد أولئك الأطفال، ولم تعد ثقافتنا تعرف حدود المدرسة وحسب. وعندها، كل ما ظننا أننا نعرفه أصبح موضعاً للشك وقابلاً للنقاش.

اعتقدت أن عدوّي في بلدي واحد وهو من اجتاح أرضي مراراً منذ السبعينيات، ولا يزال يغتصب سيادة وطني محلّقًا فوق سمائه حيثما شاء. ويا ليته كان العدوّ الأول والأخير.

أُخفيَ عنّي أن هناك عدوّاً آخر. فهذا الأخير، احتل لبنان لعشرات السنين فارضًا نفسه سيّد الدار ومعتبرًا الـ 10452 كلم جزءاً من حدود بلاده “الطبيعية”. لم يقصّر قط في قتل وتعذيب اللبنانيين، حتى إننا لا نزال نطالب بمعتقلينا في سجونه.

ولما كان هذان العدوّان يحدّان بلدي الحبيب من الجنوب والشمال والشرق، فلم يبق لنا غير البحر غرباً فسحة الأمل الوحيدة للعيش بسلام.

لكن إن ظننتم أن أعداء لبنان يقتصرون على بلدين غريبين، فٳنني أود وبنيّة طيبة أن أعلمكم العكس. فلبنان لم يسلم من شر سكانه حتى.

في بلدي أُناس يحملون الهوية اللبنانية “منظراً” وحسب. هم لبنانيون على الورقة والقلم، أما فعليًا غرباء عن هذا الوطن. يقفون أمام المنابر يجاهرون بوطنيتهم وهم كالتلميذ الخائن لا يرف لهم جفن أمام المصائب التي حلّت بنا بسببهم. فبسبب تمسّكهم بمناصبهم وقع لبنان اليوم في حفرة الانهيار التام. بسبب صفقاتهم السوداء انفجرت مدينة السلام وحلّ عليها الظلام، وبسب خوفهم على سلاحهم المكلل بدمائنا اصبحت الامهات والاباء والاخوة تحت التراب، ونحن لا نزل أحياء، ليس من قلة الموت، بل لأنه لم تنفجر فينا إحدى صفقاتهم المشبوهة بعد. فالموت في بلد يعوم بالأعداء سهل. وبسبب محاصصاتهم لن تستطيع أحلام الشباب اللبناني أن تبصر النور.

والمضحك المبكي والمبكي جداً، أنني لم أتخيل يومًا أن أشهد على المظلوم يعيد ويعطي “الضوء الأخضر” لجلّاده عبر إعادة انتخابه كي يستمر بشد الحبل على عنقه.

لهذا، عندما تُسألون عن عدوّ لبنان، لا تقعوا في فخ تعداد الأعداء خارج حدود الوطن. ٳبدأوا بعدّ من تعطونهم أصواتكم في الانتخابات. وإن كنتم تريدون أن ينصفكم التاريخ ولا تدرج أسماؤكم في خانة الأعداء، اكسروا الروتين المعتاد وحرروا أنفسكم من منظومة المافيا والميليشيا، على حدّ قول شخص عزيز على قلبي، وحرروا لبنان من أعدائه الأزليين… حان وقت التحرر.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us