البنك الدولي: التنوع الاقتصادي يقود عجلة النمو في الخليج

سوليكا علاء الدين
مجلس التعاون الخليجي

أصدر البنك الدولي تقريراً شاملاً حول آخر المستجدات الاقتصادية في منطقة الخليج لخريف عام 2024، أشار فيه إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي سجلت نمواً اقتصادياً منخفضاً بنسبة 1.6 في المئة هذا العام. وعلى الرغم من ذلك، من المتوقع أن يشهد النمو الاقتصادي انتعاشاً ملحوظاً بين عامي 2025 و2026، ليصل إلى 4.2 في المئة. ويستمر القطاع غير النفطي في قيادة عجلة النمو الاقتصادي بالمنطقة، حيث حقق نمواً بنسبة 3.7 في المئة، مع توقعات باستمرار الأداء القوي في العامين المقبلين، وإن بوتيرة أبطأ، مدفوعاً بالجهود المتواصلة في التنوع الاقتصادي والاصلاحات الهيكلية الطموحة التي تُنفّذ في مختلف أنحاء منطقة الخليج.

وشدّد التقرير الذي جاء تحت عنوان “مواجهة تحدي المياه في دول مجلس التعاون الخليجي: مسارات نحو حلول مستدامة”، على المساعي المبذولة للتصدي لأزمة شح المياه في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يقل نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة في العديد من هذه الدول عن 100 متر مكعب سنوياً. وأشار إلى ضرورة تحسين كفاءة استخدام المياه من خلال تنفيذ إصلاحات في تسعير المياه، وتوسيع نطاق إعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وتعزيز استخدام الطاقة المتجددة في عمليات تحلية المياه. وأوصى التقرير بتعزيز الحوكمة الفاعلة، وتعميق التعاون الاقليمي، وتطوير الأطر التنظيمية لقطاع المياه. إذ تهدف هذه الاستراتيجيات إلى مواجهة تحديات المياه، وتقليل الضغوط المالية، وإطلاق الامكانات الاقتصادية للمنطقة. وهي جهود يدعمها البنك الدولي ويعمل على تقديم رؤى مبتكرة لإدارة المياه بصورة مستدامة، بما يعود بالفائدة على الأجيال القادمة.

القطاع غير النفطي يقود النمو

التقرير أظهر أنّ النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي لا يزال شديد التأثر بأسواق الطاقة العالمية، غير أن حدة هذا التأثر تراجعت بفضل النمو المرن للقطاعات غير النفطية التي سجلت نمواً بنسبة 3.8 في المئة في النصف الأول من العام 2024، ما يعكس استمرار جهود التنويع الاقتصادي. في العام 2024، لا تزال اقتصادات هذه الدول تشهد حالة انكماش، بحيث سجل إجمالي النمو في دول المجلس انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.1 في المئة في النصف الأول من العام، مع انكماش بنسبة 7.5 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي النفطي بسبب قرارات منظمة “أوبك+” بخفض إنتاج النفط لتثبيت أسعار الطاقة على الصعيد العالمي، وهو ما أدى إلى تقليص النمو في الاقتصادات الكبرى المصدرة للنفط.

وفي التفاصيل، انكمش قطاع النفط في السعودية والكويت وعمان والبحرين بنسبة 8.9 و9.8 و4.0 و2.1 في المئة على التوالي. من جهة أخرى، استقر قطاع الهيدروكربونات في قطر مع نمو طفيف بلغ 1.4 في المئة بفضل توسع إنتاج الغاز الطبيعي المسال، على الرغم من الاضطرابات في أسواق الغاز العالمية. كما شهدت الامارات العربية المتحدة انخفاضاً بنسبة 4 في المئة في إنتاج النفط، لكن ذلك تم تعويضه جزئياً بزيادة قدرها 14.3 في المئة في إنتاج الغاز الطبيعي، في تأكيد على استراتيجيتها لتنويع مصادر الطاقة. وعلى مستوى المنطقة، يبقى إنتاج النفط مقيداً باتفاقيات حصص “أوبك+”، ما يحد من الايرادات المالية ويشكل تحديات للنمو الاقتصادي الأوسع.

ويعكس النمو المتسارع في القطاعات غير النفطية نجاح جهود التنويع الاقتصادي التي تبناها العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، مدفوعةً بأجندات إصلاح طموحة. وتؤكد المؤشرات العالمية استمرار التوسع الاقتصادي في هذه القطاعات خلال النصف الأول من العام 2024، على الرغم من ظهور بعض علامات الضعف في الأشهر الأخيرة. وتظل دولة الامارات في مقدمة هذه الجهود، بحيث حافظ الاقتصاد غير النفطي على زخم قوي بنمو بلغ 4 في المئة في الربع الأول، مدعوماً بزيادة في الخدمات المالية واللوجيستية والسياحة والنقل، في تأكيد لنجاح استراتيجيات التنويع التي تركز على قطاع الخدمات.

وفي المملكة العربية السعودية، أدى تنفيذ رؤية 2030 إلى توسع القطاع غير النفطي بنسبة 4.4 في المئة في الربع الثاني، مع استثمارات كبيرة في قطاعات السياحة والطاقة المتجددة، وتسجيل أداء قوي في قطاعات تجارة التجزئة والضيافة، بحيث حققت قطاعات الجملة والمطاعم والفنادق زيادة بنسبة 5.9 في المئة. أما في الكويت، فقد سجل القطاع غير النفطي مكاسب بنسبة 4.2 في المئة في الربع الثاني بعد انكماش في أواخر 2023، مدفوعاً بزيادة في خدمات أخرى تشمل العقارات (6.2 في المئة) والصناعات التحويلية (5.7 في المئة)، في حين تم تعويض ذلك بانخفاضات في قطاعات الادارة العامة والاتصالات والضيافة.

وتشكل قطاعات الزراعة والمنتجات النفطية المكررة والتصنيع والنقل المحركات الرئيسية للنمو غير النفطي في عمان الذي سجل زيادة بنسبة 4.3 في المئة في النصف الأول من 2024. وفي قطر، يدعم النمو في الخدمات المالية والتأمينية والتصنيع والبناء الاقتصاد الهيدروكربوني بوتيرة أسرع من بقية دول المنطقة. كما توسع الاقتصاد غير النفطي في البحرين بنسبة 3.1 في المئة في النصف الأول من 2024، جراء مساهمة ملحوظة من السياحة المرتبطة بالفعاليات الرياضية والتقدم في قطاع تكنولوجيا المعلومات، والتي تهدف إلى تحويل البحرين إلى مركز رقمي رائد على الصعيدين الاقليمي والعالمي.

آفاق النمو: تحديات وتوقعات

سلّط البنك الدولي الضوء على أبرز التوقعات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، فاستعرض آفاق النمو الاقتصادي في كل دولة، مع التركيز على العوامل التي يُتوقع أن تؤثر في تحديد المسار الاقتصادي لهذه الدول على المدى القريب.

مملكة البحرين: من المتوقع أن يتحسن النمو فيها في العام 2024 بنسبة 3.5 في المئة مقارنة بـ 3.0 في المئة في العام السابق، ويعزى هذا التحسن إلى النمو في مجموعة متنوعة من الأنشطة غير النفطية. كما شهد القطاع النفطي انتعاشاً جزئياً في 2024، بدعم من زيادة إنتاج النفط في حقل أبو سعفة. ويُتوقع أن يصل النمو في الفترة بين 2025 و2026 إلى 3.3 في المئة، تماشياً مع الزيادة المرتقبة في إنتاج قطاع النفط.

– دولة الكويت: من المحتمل أن ينكمش النمو الاقتصادي بنسبة 1 في المئة في العام 2024، بسبب التمديد المستمر لتخفيضات إنتاج” أوبك+” الطوعية. ومع ذلك، يتوقع أن يرتفع النمو في الفترة بين 2025 و2026 ليصل إلى 2.6 في المئة، مدفوعاً بزيادة إنتاج النفط وتسارع مشاريع البنية التحتية في الدولة.

سلطنة عمان: يُتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي في العام 2024، جراء استمرار التمديد لتخفيضات “أوبك+” الطوعية. إلا أن النمو من المتوقع أن ينتعش في الفترة بين 2025 و2026 ليصل إلى متوسط 3.0 في المئة، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط والاصلاحات الجارية، إلى جانب الاستثمار في القطاعات غير النفطية، ما يعزز النمو غير النفطي في السلطنة.

دولة قطر: من المتوقع أن ينمو الاقتصاد القطري بصورة طفيفة بمعدل متوسط قدره 2.4 في المئة في الفترة بين 2024 و2025، ليصل إلى 4.1 في المئة في 2025-2026. ويُعزى هذا النمو بصورة رئيسية إلى زيادة الطاقة الانتاجية للغاز. كما من المتوقع أن يظل الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي مرتفعاً عند 2.3 في المئة، بفضل مشاريع البنية التحتية الجديدة وتوسيع قطاع الصناعة والسياحة. وعلى الرغم من أن قطاع النفط والغاز سيظل عند 1.5 في المئة في 2024 بسبب قيود القدرات الانتاجية، فإنه من المتوقع أن يشهد توسعاً كبيراً في الفترة من الربع الرابع من 2025 إلى 2027 مع توسعة حقل الشمال.

المملكة العربية السعودية: بعد الانكماش الاقتصادي الذي شهدته بنسبة 0.8 في المئة في العام 2023، يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي بنسبة 1.1 في المئة في 2024، مدفوعاً بالنمو القوي في الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.6 في المئة. هذا النمو سيعوّض جزئياً الانخفاض المتوقع في الناتج المحلي الاجمالي النفطي بنسبة 6.1 في المئة بسبب قرارات المملكة الطوعية لخفض الإنتاج حتى نهاية تشرين الثاني 2024. ومن المتوقع أن يتسارع النمو إلى متوسط 4.7 في المئة في 2025-2026 مع زيادة إنتاج النفط، في حين يتوقع أن يظل القطاع غير النفطي ثابتاً عند 4.5 في المئة في الفترة نفسها، ما يعزز جهود التنويع الاقتصادي في المملكة.

الامارات العربية المتحدة: من المتوقع أن يصل النمو الاقتصادي فيها إلى 3.3 في المئة في العام 2024، جراء توسع مستدام بنسبة 4.1 في المئة في القطاع غير النفطي. هذا النمو مدعوم بالأداء القوي في قطاعات متعددة مثل السياحة والعقارات والبناء والنقل والصناعة. وعلى المدى المتوسط، يتوقع أن يتسارع النمو إلى 4.1 في المئة في عامي 2025 و2026، بفضل انتعاش إنتاج النفط.

من جهتها، تبقى معدلات التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي في العام 2024 منخفضة ومستقرة عند 2.1 في المئة بفضل تشديد السياسات النقدية، ومستويات الدعم السخية، والحدود القصوى المفروضة على أسعار الوقود، بالإضافة إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية عالمياً. ومع ذلك، ما زالت هناك ضغوط تضخمية كبيرة في قطاع الاسكان في العديد من دول الخليج. كما تأثر القطاع المالي بارتفاع الإنفاق الحكومي وانخفاض عائدات النفط، ما أدى إلى تباين كبير في تأثيرات هذه التحديات بين دول المنطقة. ومن المتوقع أن يتحول الفائض المالي الاقليمي إلى عجز طفيف بنسبة 1 في المئة في العام 2024 نتيجة لانخفاض عائدات النفط جراء تخفيضات الانتاج، على أن يستمر هذا العجز خلال عامي 2025 و2026.

مخاطر اقتصادية إقليمية

أظهرت منطقة الخليج مرونة استثنائية في مواجهة الاضطرابات العالمية، بحيث تمكنت من التكيف بسرعة مع التحديات الاقتصادية، ومضت بثبات نحو تنفيذ أجندتها الطموحة للتنوع الاقتصادي، ما ساعدها في الحفاظ على زخم النمو واستدامته في مواجهة التقلبات العالمية. وعلى الرغم من ذلك، يعزز السياق الاقليمي المضطرب الناجم عن الصراع المستمر في الشرق الأوسط من احتمالية حدوث تداعيات إقليمية واسعة النطاق، ما قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية خطيرة تؤثر بصورة ملحوظة على استقرار المنطقة. فالتوترات الجيوسياسية تلعب دوراً محورياً في زيادة حالة عدم اليقين، ما يضعف ثقة الأعمال والمستهلكين، ويحد من النشاط السياحي، ويؤدي إلى تدفقات رأس المال للخارج، بالاضافة إلى تشديد الظروف المالية في المنطقة.

وفي هذا الاطار، تشير البيانات التاريخية إلى أن دول منطقة الشرق الأوسط شهدت انخفاضاً بنحو 2 في المئة في الناتج المحلي الاجمالي للفرد خلال العام الأول من النزاع، مع خسائر تصل إلى 10 في المئة على مدار عقد. كما يميل المستثمرون إلى التوجه نحو الأصول الأكثر أماناً في فترات النزاع، ما يسبب تدفقات رأس المال من المناطق ذات المخاطر العالية. وعلى الرغم من مرونة أنظمة البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة الضغوط الجيوسياسية السابقة، فإن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤثر سلباً على نمو القطاع غير النفطي في دول المجلس.

علاوة على ذلك، تسببت أزمة الشحن في البحر الأحمر، الناجمة عن هجمات الحوثيين والتوترات الجيوسياسية، في تعطيل طرق التجارة العالمية، ما أثر على صادرات النفط والغاز، وحركة النقل البحري، وتدفقات الاستثمارات. وبالتالي، فإن تصاعد هذه الأزمة يعزز من المخاطر التي تهدد النمو الاقتصادي في المنطقة. ومع ذلك، قد يؤدي تصعيد النزاع إلى تعطيل إمدادات النفط، ما ينعكس على أسعار النفط العالمية، وقد يسفر عن مكاسب غير متوقعة للمنطقة، وفقاً للتقرير.

وفي ما يتعلق بأزمة تغير المناخ، تواجه منطقة الخليج تحديات اقتصادية متزايدة نتيجة للضغط الناتج عن التحول المناخي العالمي، بما في ذلك الاضطرابات في تجارة الوقود الأحفوري والتغيرات في أسعار النفط بسبب الانتقال العالمي نحو استهلاك منخفض الكربون. كما تواجه دول المجلس صعوبة في تحقيق التحول الطاقي، بحيث تضم المنطقة بعضاً من أعلى معدلات الانبعاثات للفرد في العالم، ما يستدعي تسريع التحول نحو اقتصاد أخضر. ومع ذلك، تُمثل مبادرات الاقتصاد الأخضر فرصة كبيرة لدول مجلس التعاون الخليجي للافادة من بنيتها التحتية للطاقة وتعزيز التنوع الاقتصادي، مع جهود مستمرة في الاستثمار بمشاريع خفض الكربون والطاقة المتجددة.

شارك المقال