النظام الايراني يتحسّس رأسه… هل يكون التالي؟

جورج حايك

ما بدأ في غزة مروراً بلبنان وصولاً إلى سوريا ليس مجرد صدفة، بل رؤية دولية وأميركية جديدة للشرق الأوسط، تستهدف محور الممانعة الذي تقوده ايران، وجرت فيه “قصقصة” الأجنحة الايرانية مثل حركة “حماس” و”حزب الله” والنظام السوري، ولن تكون الميليشيات العراقية الموالية لإيران ولا الحوثي في اليمن خارج هذه الرؤية الجيوسياسية.

ولا شك في أن ما حصل أثار قلق النظام الايراني الذي موّل هذه الأنظمة والأذرع العسكرية وسلّحها طوال 45 عاماً، فهو شاهد كيف أطيح النظام السوري على يد الفصائل المعارضة خلال أيام معدودة. واللافت أن النظام الايراني يعرف مقدار النقمة الشعبية عليه، وقد سبق أن شهد انتفاضات داخليّة اضطر إلى قمعها مستخدماً العنف، ومن البديهي أن العنف والظلم يولّدان المزيد من الغضب الذي قد تعمل عليه مخابرات دول عدة، تريد أن تتخلّص من هذا النظام الديني المتشدّد.

أمام هذا الواقع، يتوقع الخبراء أن تواجه إيران اضطرابات داخلية بعد سقوط الأسد، ولفت مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني كريس دويل إلى أن سقوط الرئيس السوري بشار الأسد سوف يُلهم الايرانيين للثورة ضد الجمهورية الاسلامية، مؤكّداً أن “البؤرة الاستيطانية الايرانية في سوريا تحطمت، ما أدى إلى تغيير طبيعة أنشطتها العسكرية الاقليمية بالكامل، بالاضافة إلى إلهام أولئك الذين يعارضون الحكومة في الداخل، لإطاحة حكم الجمهورية الاسلامية الذي دام 45 عاماً”. واعتبر دويل أن “الايرانيين تلقوا ضربة هائلة هنا. لقد مزقت الفصائل السورية بالتأكيد ذلك الممر المهم للتهريب الذي اعتمدوا عليه، من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط. ستصبح سوريا الآن دولة خارجة عن السيطرة الايرانية”.

لكن كي لا نُتّهم بالمبالغة، لا يبدو أن ما رسمته عواصم القرار الغربية يقضي بإنهاء النظام الايراني فوراً، بل اعطاؤه فرصة لتنفيذ التزاماته بشروط الولايات المتحدة بقيادة الرئيس المنتخب دونالد ترامب، وبالتالي ستعيد إيران تقييم استراتيجياتها هنا مع تسلم ترامب السلطة في 20 كانون الثاني المقبل.

وتشير المعلومات إلى أن المرشد الايراني علي خامنئي يواجه مشكلات لإنقاذ ماء وجهه بعد الضربات الهائلة التي تلقاها محوره طوال هذه السنة، ما يجعله يشعر بالمذلة والعزلة. وهو يعرف أن ما سيواجهه في المرحلة المقبلة سيكون أكثر صعوبة وتعقيداً وخصوصاً مع الرئاسة المقبلة لترامب، الذي تعهد باتباع نهج “الضغط الأقصى” على إيران وحلفائها. ويعتبر بعض المعارضين للنظام الايراني في الخارج أن هذا النظام قد يهرب إلى الأمام عبر تسريع تطوير الأسلحة النووية لاعتقاده أن هذه الخطة قد تجنّبه مصير نظام الأسد. لكن قد ينقلب السحر على الساحر وخصوصاً أن اسرائيل متوجّسة من هذا الموضوع الحسّاس، ولن تجد مانعاً لدى الرئيس ترامب في هذه الحالة من توجيه ضربة عسكرية الى المنشآت النووية الايرانية بمؤازرة واشنطن.

من بعيد، يبدو الأمر كأنه تساقط لأحجار “الدومينو”، التي رتّبها النظام الايراني طوال نصف قرن، ويراها الآن تنهار، وقد عكس سقوط الأسد ضعف هذا النظام، بحيث وقف عاجزاً عن نجدته، وهذا الأمر سيُلهم معارضيه في الداخل لمواجهته وخصوصاً أنه محاصر من جهات أخرى أيضاً، وإن لم يرضخ لشروط ترامب، فسيكون عرضة لعقوبات اقتصادية، لا بد من أن تثير نقمة الشعب ضد خامنئي ونهجه.

تحتاج المعارضة الايرانية إلى مزيد من التنظيم للافادة من المشهد المتغير حتى يكون التأثير قوياً. صحيح أن الحركات العفوية الثائرة للشعب مفيدة، إلا أنها غير كافية لإسقاط النظام الايراني. هناك مظالم كبيرة داخل إيران، وخصوصاً في المناطق التي يسكنها العرب والبلوش والأكراد. صحيح أن هؤلاء ظلّوا موالين للدولة إلى حد كبير، ولكن بعد أكثر من عقد من الزمن على انتهاء الحرب، يشتكون من تعرضهم للتمييز في إعادة الإعمار على الرغم من كونهم المنطقة الأكثر تضرراً بما أصبح في الأساس حرب استنزاف شبيهة بالحرب العالمية الأولى عبر مدنهم وبلداتهم. ويؤكّد أحد المعارضين الايرانيين العرب أن النظام الايراني يسعى عمداً إلى إجبار العرب على الانتقال لتخفيف أي تركيز للسكان العرب. مرتان خلال صيف وخريف عام 2000، اندلعت أعمال شغب في خرمشهر وعبادان بسبب نقص مياه الشرب النظيفة، وبعد خمسة أعوام، عادت الفوضى مرة أخرى عندما كتب نائب الرئيس محمد علي أبطحي رسالة زُعم أنها مزورة تدعو إلى طرد العرب في المنطقة.

في الأعوام اللاحقة، كانت المجتمعات العربية مخترقة أمنياً. وقد واجه النظام الايراني اختراقاً من تنظيم الدولة الاسلامية للمنطقة، كما اتهمت طهران المملكة العربية السعودية بدعم حركة انفصالية في المنطقة. هذا لا يعني أن العرب في إيران ميالون إلى الانفصال أو حتى يرغبون فيه، فتفكيك إيران أو الخطوط العرقية كان منذ فترة طويلة خيالاً لدى بعض صنّاع السياسات، ولكن هذا يسيء فهم إيران ومصادر القومية التي تمتد إلى ما هو أبعد من العرق. كما أن التركيب العرقي لإيران ليس واضحاً تماماً، بحيث يتجنب النظام أي تعداد ذي معنى.

ويوضح المعارض الايراني أن سقوط وكلاء إيران واحداً تلو الآخر، لا يعدو أن يكون مسألة وقت قبل أن يحسب الشعب الايراني بنفسه أن الاحتمالات تحولت لصالحه ضد مضطهديه. وهناك شعور، بعد سقوط الأسد وهروب الحرس الثوري الايراني، بأنه ضعيف. قد تكون خوزستان هي نقطة الصفر. وعندما تأتي الانتفاضة، قد يقول دعاة الجمهورية الاسلامية إنها انفصالية، ومن المرجح أن يكونوا مخطئين، فهذا النظام القمعي منع الحرية عن شعبه وفرض عليهم “عقده” الدينيّة، وبالتالي قد تندلع الثورة وتنتشر في كل أصقاع ايران كالنار في الهشيم، وغداً لناظره قريب.

شارك المقال