الشرق الأوسط الاسرائيلي وهم أم حقيقة؟

جورج حايك

“سنغيّر الشرق الأوسط والجولان إسرائيلية إلى الأبد”، هذا ما قاله رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو منذ أيام قلية، وهو كلام مكرّر، علماً أن تكراره ليس صدفة، إنما يُبرره طموح اسرائيلي تاريخي من منطلقات دينيّة لما يُسمّى “اسرائيل الكبرى”، وهي بحسب التفسير اليهودي للتوراة كما في سفر التكوين، حيث يذكر عهد الله مع إبراهيم: في ذلك اليوم عَقَدَ الله ميثاقاً مع أبرام قائلاً: “سأُعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النَّهر الكبير، نهر الفرات. أرض القينيين والقنزيّين، والقدمونيين والحثيّين والفرزيّين والرّفائيّين والأموريّين والكنعانيين والجرجاشيّين واليبوسيّين”.

وفي سفر التكوين أيضاً، في ذلك اليوم، قطع الرب مع إبراهيم ميثاقاً قائلاً: “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات”. وبحسب هذا الإدعاء، تشمل حدود أرض إسرائيل كل الأراضي المحتلة عام 1948 والضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان!

لكن بعيداً عن الاعتبارات الدينية اليهودية التي تبدو أنها خلفيّة نتنياهو الفكريّة والعقائدية، فإن مرتفعات الجولان تقع في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، وهي جزء من سوريا وتتبع لها. منذ حرب 1967 احتل الجيش الاسرائيلي ثلثي مساحتها، وعُدّت – من الأمم المتحدة – من ذلك الحين أرضاً سورية محتلة، تطالب سوريا بتحريرها وإعادة سيادتها عليها. ويسمّى الجولان أحياناً باسم “الهضبة السورية”، بحيث كان هذا الاسم هو الأكثر شيوعاً قبل العام 1967، مما هو عليه اليوم، خصوصاً في اللغة العبرية واللغات الأوروبية، وثبت ذلك في بيان صدر عن الجيش الاسرائيلي في 10 حزيران 1967 بعد أن احتل المنطقة، ونص البيان على: “الهضبة السورية في أيادينا”. وقد شهدت الجولان في التاريخ الحديث عدة حروب بين إسرائيل وسوريا، وقديماً إثنتين من كبريات معارك العرب، اليرموك وحطين، وتعرضت على مر التاريخ لتغييرات وتبديلات حدودية، بسبب موقعها الاستراتيجي، وطبيعة جغرافيتها المميزة وغناها الاقتصادي وثروتها المائية. وأنشئت على أراضيها مستوطنات شكّلت عمقاً إنتاجياً لإسرائيل ومخزناً غذائياً ومائياً ومنطقة دفاعية مهمة.

كل ذلك، يبرّر ما فعلته اسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد، فهي وجدت فرصة لتحقيق حلمها عبر توسيع رقعة الاحتلال في القنيطرة والجولان وجبل الشيخ، وقد نفّذت ما لا يقل عن 600 ضربة جوية في غضون أيام قليلة، وقضت على معظم أسلحة الجيش السوري وخصوصاً الأسلحة الكيميائية، التي خافت أن تقع في أيادي فصائل المعارضة السورية.

في المقابل، أثار هذا التوسّع الاسرائيلي والانتهاك للقانون الدولي غضب الدول العربية كالسعودية وقطر، لكن بالنسبة إلى نتنياهو لا شيء يعلو فوق “أمن اسرائيل”، ولا تميّز تل أبيب بين نظام سوري وفصائل معارضة، ولا يهمّها إنهما تنازعا على السلطة، فعدوّ عدوّها هو عدوّها الجديد، وهي ضربت أي هدف تعتبره تهديداً، ولعدة سنوات، كانت المنطقة العازلة الحالية كبيرة بما يكفي لضمان عدم تمكن القوات السورية من التجمع بالقرب من حدودها. إلا أن ما حصل من دخول بري للجنود الاسرائيليين، بعد سقوط الأسد، يتجاوز المخاوف الأمنية إلى أطماع استراتيجية وتاريخيّة. ويؤّكد الاعلامي السوري محمد فارس المتخصص بشؤون الشرق الأوسط أن “أهمية هضبة الجولان الاستراتيجية تنبع من موقعها وطبوغرافية الأرض المحيطة بها، فهي تستند إلى جبل الشيخ من جهة الشمال، وتستند إلى وادي اليرموك من جهة الجنوب، وتشرف إشرافاً مباشراً على الجليل الأعلى وسهلي الحولة وطبريا. وتعتبر سيطرة السوريين عليها مفتاحاً للسيطرة على المناطق المذكورة التي تقع داخل إسرائيل.. كما أن سيطرة القوات الاسرائيلية تعطي الدولة العبرية عمقاً دفاعياً وتؤمّن لها إبعاد الخطر المباشر عن المناطق الحيوية الآهلة بالسكان في شمالي إسرائيل. وهذا الأمر جعل اسرائيل قادرة على التحرك بسهولة أكبر نحو دمشق عبر محور القنيطرة – دمشق أو عبر محاور الحركة في منطقة حوران. وللأسباب الاستراتيجية هذه إضافة إلى الأسباب الاقتصادية لا سيما المتعلق منها بموارد المياه كما سبق القول تمسكت إسرائيل بالجولان بعد احتلالها عام 1967 ورفضت التنازل عنها”.

إذاً الجولان أرض عربية سورية وحقيقة تاريخية، كان وسيظل عربياً سورياً كما تؤكد ذلك سوريا باستمرار، وفق فارس، ومهما ادّعى نتنياهو بأنه سيحتفظ بالجولان إلى الأبد، فإنه سيبقى محتلاً وجزءاً لا يتجزأ من الأراضي السورية، وما يفعله باطل، بل ينتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

في تصوّر نتنياهو، يبدو الشرق الأوسط الجديد ذو النكهة الاسرائيلية الأميركية ليس بعيد المنال بعدما تمكّن من هزيمة “حماس” و”حزب الله” بصورة حاسمة، وإضعاف محور إيران وإسقاط النظام السوري وسيطرته على الضفة الغربية وجبل الشيخ وتأمين أمن المستوطنات الشمالية. لكن الرؤية لهذا “الشرق الأوسط الجديد” تتناغم مع رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويشير فارس إلى أن “ترامب ونتنياهو يعتبران أن صورة الشرق الأوسط ستكتمل مع اندماج إسرائيل بسلاسة في الأنظمة العربية والاقليمية عبر اتفاقيات ابراهام، لكن ذلك دونه صعوبات كبيرة ما دامت القضية الفلسطينية لم تُحَل بطريقة عادلة وشاملة ودائمة. وتصطدم آمال إسرائيل في تطبيع العلاقات مع السعودية بحاجز كبير لأن الأخيرة تريد حل الدولتين ولن يكون التطبيع مع إسرائيل ممكناً من دون إقامة دولة فلسطينية”.

ويوضح أن “أي رؤية أخرى يروّج لها نتنياهو لا أساس لها من الصحة ولن تسفر عن شيء، سواء بقي في منصبه حتى عام 2026 أو خلفته حكومة أخرى تشاركه موقفه الرافض للسلام”.

في الواقع، أقصى ما يُمكن أن تحققه اسرائيل في الوقت الحاضر هو تأمين الأمن والاستقرار على حدودها بعد إضعاف “حزب الله” و”حماس” وخلق منطقة أمنية في الجولان لإبعاد أي محاولة عدوانية من الفصائل المسلّحة المتطرفة في سوريا، التي قد تتحوّل معها سوريا إلى ما يشبه “السيناريو الليبي” أو “نموذج يوغوسلافيا السابقة”. أي كل طائفة من الطوائف سيكون لها استقلالها الخاص. أما السيناريو الثالث فهو دولة جهادية تتراوح من نوع “داعش” المتطرف إلى “طالبان” بالمعنى المعتدل. والسيناريو الرابع هو دولة إسلامية سياسية على غرار تركيا وقطر. إسلام سياسي، وليس إسلاماً جهادياً.

وتتجه أنظار نتنياهو اليوم إلى إيران والهدف توجيه ضربة إلى منشآتها النووية، بحيث سيزداد التصعيد مع دخول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وسيتركّز الخطابان الأميركي والاسرائيلي ما بين العصا والجزرة مع إيران واستنفاد العقوبات الاقتصادية، وأخيراً استخدام الحسم العسكري بضربة قاضية تنهي العصر الايراني في المنطقة، وحتماً كل هذه الاستحقاقات تصبّ في مصلحة اسرائيل، لكن ليست “اسرائيل الكبرى” التي يحلم بها نتنياهو إنما اسرائيل الواقعية التي تصبح أكثر انسجاماً مع محيطها.

شارك المقال