حرب لبنان… اقتصاد الرعاية على المحك والنساء في الخطوط الأمامية

سوليكا علاء الدين

لم تقتصر تداعيات الحرب الاسرائيلية العنيفة على لبنان على الأبعاد الاقتصادية فحسب، بل تركت وراءها دماراً هائلاً وجرحاً عميقاً في نسيج المجتمع اللبناني. وقد دفع هذا الوضع المتفاقم لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا” ولجنة المرأة والطفل النيابية في لبنان إلى إصدار دراسة جديدة بعنوان “تعزيز الرعاية وإعادة بناء المجتمعات المحلية: طريق لبنان إلى التعافي”، أطلقت فيها تحذيرات عاجلة من كارثة وشيكة، ومن العواقب الوخيمة التي تهدد فئات المجتمع، خصوصاً النساء والأطفال الذين كانوا الأكثر عرضة لويلات الحرب.

وتحوّلت النساء اللبنانيات، اللواتي يقدمن نحو 94 في المئة من رعاية الأطفال غير المدفوعة، من ركيزة أساسية في المجتمع إلى ضحايا للصراع. كما أدت الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في 2019 إلى تفاقم معاناتهن، بحيث أصبح العديد من الأسر غير قادر على تحمل تكاليف خدمات الرعاية المدفوعة، ما أدى إلى فقدان العديد من العاملات في هذا القطاع وظائفهن. ووضع هذا الضغط اقتصاد الرعاية على حافة الانهيار، ما أثر بصورة كبيرة على كل من مقدمي الرعاية ومتلقيها.

ما هو اقتصاد الرعاية؟

يشمل اقتصاد الرعاية جميع أشكال الرعاية، بما في ذلك الرعاية غير المدفوعة الأجر، ويغطي بذلك مقدمي الرعاية والعاملين في هذا المجال. تُعرف أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر بأنها الأنشطة التي تتم داخل الأسرة، وتتضمن المهام المباشرة مثل رعاية الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، بالاضافة إلى المهام غير المباشرة مثل التنظيف والطهو. وفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية، تتحمل النساء عبئاً إضافياً في أداء هذه المهام، بحيث يقضين وقتاً أطول بـ 4.7 مرات مقارنة بالرجال.

ويُعد اقتصاد الرعاية حجر الزاوية لتحقيق النمو المستدام والرفاه والتنمية البشرية، بحيث يسهم بصورة ملحوظة في تعزيز استدامة الأنشطة البشرية للأجيال الحالية والمستقبلية. وتشير التقديرات إلى أن تعويض العمل غير المدفوع في مجال الرعاية قد يُسهم بنسبة 9 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي، بما يعادل 11 تريليون دولار. كما أن كل دولار يُستثمر في حزمة رعاية تشمل تمديد إجازة مدفوعة الأجر المرتبطة برعاية الأطفال وتوفير خدمات رعاية وتعليم الطفولة المبكرة، يترتب عليه زيادة بنحو 3 دولارات في الناتج المحلي الاجمالي، ما يعكس العوائد الاقتصادية الكبيرة لهذا النوع من الاستثمار.

الفجوة في الرعاية

بالعودة إلى دراسة “الإسكوا”، فقد قدمت تحليلاً معمقاً لأبرز القضايا التي تؤثر على اقتصاد الرعاية في ظل النزاع، كاشفة عن حجم التحديات التي يواجهها هذا القطاع الحيوي. إذ أظهرت الأرقام أن الحرب التي تصاعدت في تشرين الأول الماضي أسفرت عن مقتل 2546 شخصاً، بينهم 127 طفلاً، وإصابة 10698 شخصاً، بالاضافة إلى نزوح أكثر من 1.5 مليون فرد، بينهم 400 ألف طفل. كما تسببت في دمار كبير للبنية التحتية للرعاية الصحية، بحيث خرج عن الخدمة 13 مستشفى، و100 مركز للرعاية الصحية الأولية، و130 سيارة إسعاف، ما قلّص الوصول إلى الرعاية الصحية للأطفال والمسنين في مناطق النزاع. وقد زادت الحرب من معاناة الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، ما أدّى إلى تصاعد الحاجة إلى خدمات الرعاية، في حين انخفضت الموارد المتاحة لتلبية هذه الاحتياجات. كما أجبر النزاع نحو 1.5 مليون شخص على النزوح، حيث يعيش 191,516 شخصاً في 1,095 مأوى مكتظ، ما يزيد من المخاطر الصحية ويضع ضغوطاً إضافية على نظام الرعاية.

نساء الحرب: أعباء مضاعفة

الدراسة أوضحت أيضاً أنّ النساء اللبنانيات يتحمّلن النصيب الأكبر من مسؤوليات رعاية الأطفال غير المدفوعة الأجر، والتي تفاقمت بسبب الحرب. إذ تضاعفت أعباؤهن بصورة ملحوظة بعد إغلاق المدارس، ونزوح الأسر، وتناقص خدمات الرعاية الصحية المتاحة، ما جعلهن يتحملن مسؤولية تعليم أطفالهن في المنازل ورعاية أفراد الأسرة المصابين وكبار السن. وتزداد معاناتهن في بيئات النزوح الصعبة، بحيث يحد ذلك من فرص انخراطهن في العمل المدفوع الأجر. هذه الضغوط المتزايدة تعرضهن لهشاشة اقتصادية وتفاقم غياب آليات الدعم النظامية، ما يعمّق أوجه عدم المساواة بين الجنسين ويدفع المزيد منهن إلى براثن الفقر، على الرغم من دورهن الحيوي في إعالة أسرهن والحفاظ على استقرار مجتمعاتهن.

وأدى النزاع إلى تأثيرات شديدة على الصحة العقلية لمقدمي الرعاية، وخصوصاً النساء، بسبب الضغوط العاطفية وفقدان الأحبة، ما ساهم في تفاقم القلق والاكتئاب وزيادة خطر الإرهاق النفسي. كما تسببت الحرب في تعطيل التعليم لعدد كبير من الأطفال، بمن فيهم 400,000 طفل نازح، مما أثر سلباً على نموهم المعرفي والاجتماعي وزاد العبء على النساء في رعايتهم وتعليمهم. وتهدد هذه الفجوة التعليمية باستمرار الفقر وتقليص رأس المال البشري.

أزمة نقص الرعاية الصحية

أدى الصراع إلى نقص حاد في العاملين في مجال الرعاية الصحية، بحيث قُتل 94 منهم وأصيب 74 آخرون، واضطر العديد منهم الى النزوح بسبب مخاوف أمنية. وقد نتجت عن فقدان المهنيين المدربين زيادة الضغوط على أفراد الأسرة غير المدربين لتقديم رعاية معقدة من دون المهارات أو الموارد اللازمة. كما زاد تدمير الهياكل الأساسية للرعاية الصحية من هذه التحديات، ما جعل ضمان سلامة العاملين في هذا المجال واستقرارهم أمراً بالغ الأهمية لتحقيق التعافي والحفاظ على نظم الرعاية الصحية في البلاد.

غياب الدعم المؤسسي

لا يزال الدعم المؤسسي لمقدمي الرعاية في لبنان محدوداً، بحيث أظهرت الأزمة الحالية أن السياسات القائمة غير كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة في هذا القطاع الحيوي. مع وصول عدد النازحين إلى 1.5 مليون شخص، يعيش 191,516 منهم في 1,095 ملجأ مكتظاً، تجاوزت 908 منها طاقاتها القصوى، ما أدى إلى نقص حاد في الموارد وغياب آليات نظامية لدعم مقدمي الرعاية. وقد كشفت الحرب عن هشاشة اقتصاد الرعاية في لبنان، ما يبرز الحاجة الملحة الى إطار سياساتي شامل يعالج الثغرات ويوفر الدعم المستدام خلال مرحلة التعافي وبعدها.

توصيات استراتيجية سياساتية

وعلى الرغم من الأهمية الحيوية لقطاع الرعاية في أوقات الأزمات، فإن استجابة السياسات العامة للصراعات غالباً ما تتجاهل هذا القطاع، بحيث تركز الحكومات والوكالات الانسانية في كثير من الأحيان على تلبية الاحتياجات العاجلة مثل الغذاء والأمن، مع منح الأولوية لمتلقيات الرعاية على حساب مقدميها ومقدماتها. وبحسب الدراسة، تُعد إعادة بناء هياكل الرعاية الأساسية في لبنان أولوية قصوى، مع التركيز على استعادة الخدمات الحيوية وضمان استدامتها من خلال الدعم الدولي الفاعل. كما يتطلب دعم مقدّمات الرعاية غير المدفوعة أجر توفير الدعم المعيشي، وخدمات الرعاية الصحية النفسية، بالاضافة إلى تعزيز الفرص الاقتصادية للمرأة من خلال وظائف مرنة. كذلك، هناك حاجة ملحة الى دعم النازحات في لبنان من خلال برامج حماية اجتماعية موسعة ووحدات رعاية صحية متنقلة، لتمكينهن من المشاركة في أدوار تقديم الرعاية وتخفيف الضغوط الاجتماعية والصحية. يجب أن تُعطى احتياجات الرعاية أولوية في خطة التعافي الوطنية، مع تضمينها في استراتيجيات الطوارئ والتنمية، واستثمارها في قطاع الرعاية لضمان استقرار لبنان وبناء أسس قوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية على المدى البعيد، ما يعزز قدرة البلاد على مواجهة التحديات المستقبلية.

الرعاية محور الإغاثة والتعافي والتنمية

لتلبية احتياجات الرعاية المتنوعة الناتجة عن الحرب الاسرائيلية في لبنان، أوصت الدراسة باتباع نهج من ثلاث مراحل يتوافق مع السلسلة التي وضعتها الأمم المتحدة، بدءاً من الإغاثة وصولاً إلى إعادة التأهيل والتنمية. يتضمن هذا الإطار دمج الرعاية كعنصر أساسي في كل مرحلة، مع تأكيد أهمية مشاركة الرجال والنساء بالتساوي في تصميمه وتنفيذه.

يجب على الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية وغير الحكومية دمج احتياجات الرعاية الأساسية مثل مجالسة الأطفال، ورعاية المسنين، والمساعدة في التعليم، ضمن جميع تقييمات الاحتياجات والاستجابات الانسانية. علاوة على ذلك، من الضروري تضمين احتياجات مقدمي الرعاية ومتلقّيها في الخطط الحكومية، بما في ذلك خطة العمل الوطنية المتعلقة بقرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، مع إشراك النازحين في تقديم الرعاية إذا كانوا يمتلكون المهارات والكفاءة والمسؤولية اللازمة للمساهمة الفاعلة.

وتُعتبر مرحلة التعافي في لبنان فرصة حيوية لإعادة بناء الهياكل الاجتماعية والرعائية، بهدف ضمان تقديم خدمات رعاية عالية الجودة وبأسعار معقولة، بما يضمن تعزيز الكرامة الانسانية ويسهم في تطوير رأس المال البشري. كما يلعب اقتصاد الرعاية دوراً مهماً في تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية، فضلاً عن فتح آفاق جديدة للفرص الاقتصادية، وتطوير قدرة لبنان على النهوض والتعافي.

ويتعيّن على لبنان وضع رؤية استراتيجية شاملة وطويلة الأجل تركز على تعزيز الرعاية، مع دمج اقتصاد الرعاية في السياسات العامة من خلال خطة توسع اقتصادي مدعومة بالتعاون الدولي، بهدف تعزيز المنعة والنمو المستدام. يجب أن تتضمن هذه الاستراتيجية إصلاحات مهمة في الأطر القانونية والسياسات العامة، وربط الرعاية بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية والصحية، مع تأكيد دعم المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة اقتصادياً.

من خلال جعل الرعاية ركيزة أساسية في جهود التعافي، يمكن للبنان أن يبني مجتمعاً قوياً ومرناً، قادراً على الصمود أمام التحديات المستقبلية وتحقيق التنمية المستدامة.

شارك المقال