آثار التعذيب في السجون على الصحة العقلية… خوف واكتئاب وعدوانية

تالا الحريري

تتعدد أشكال التعذيب التي يتعرض لها المساجين، بدءاً من العنف الجسدي وصولاً إلى العنف النفسي وتأثيرهما على الصحة النفسية والعقلية، ويؤدي ذلك إلى ظهور اضطرابات متعددة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، والتي قد تستمر لفترات طويلة حتى بعد انتهاء فترة الاحتجاز والتعذيب.

في السياق السوري، تعرّض العديد من المعتقلين للتعذيب في السجون، وبرزت آثار هذه التجارب القاسية بصورة واضحة على الصحة العقلية لهم، وهذا ما شاهدناه في غالبية مقاطع الفيديو التي نٌشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوضح المعالج والاستشاري في الطب النفسي الدكتور وائل كرامة لـ”لبنان الكبير” أنّ “هناك ارتباطاً وثيقاً بين التعذيب في السجون وظهور عوارض لاضطرابات نفسية عدة، وهي تنتج عن الخوف الشديد والترهيب والمعاناة والاهانات وكسر العزيمة وفقدان احترام الذات. ومن أهم هذه الاضطرابات النفسية، القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والبارانويا والعدوانية. يعاني الكثيرون من مشكلات في النوم والكوابيس الليلية ونوبات الهلع وفقدانهم للثقة بالنفس والثقة بالآخرين وبالحياة عموماً، وتترتب على ذلك عزلة اجتماعية وانكفاء عن الاختلاط بالناس والتفاعل الاجتماعي”.

كلما زاد التعذيب زادت حدة هذه الاضطرابات؛ على سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2018 أن السجناء الذين قضوا وقتاً في الحبس الانفرادي (وهو أسوأ أنواع التعذيب) كانوا أكثر عرضة للإصابة بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بثلاثة أضعاف مقارنة بأولئك الذين لم يعيشوا في السجن الانفرادي، بحسب كرامة.

وأكد أن “هناك تأثيراً مباشراً للتعذيب على الجسم ككل وذلك من خلال ازدياد نسبة إفراز هرمونات الضغط النفسي في الجسم وأهمها الكورتيزول والأمينيفرين، فتزداد ضربات القلب ويحدث تعرق وضبابية في التفكير. تنخفض هرمونات السعادة في العقد الدماغية وأهمها السيروتونين والنورايبينفرين وهذه التغيرات تؤدي إلى القلق والاكتئاب وتؤثر على جودة الخلايا الدماغية. ومع الوقت يمكن أن يؤدي الإجهاد والاكتئاب إلى ضمور كل من الحُصين والقشرة الجبهية الأمامية، كما يحدث تغييرات في المادة البيضاء العميقة، وتغيرات أو تلف في المنطقة الأمامية اليسرى للدماغ وغيره. اذا تم التعذيب عن طريق الضرب المتكرر على الرأس، فيؤدي ذلك إلى إرتجاج دماغي أو نزيف وذلك يؤدي إلى صرع وفقدان في الذاكرة والوعي وخرف مبكر”.

ووفقاً لكرامة “هناك مجموعة من الأعراض الجسدية التي يعاني منها المحتجزون في السجن الانفرادي، تكمن في تهيج الجلد وتقلب الوزن، آلام في العضلات والعظام، حالة صدمة، فقدان ذاكرة وعجز عن النطق. وهناك ما يسمى بفقدان الذاكرة النفسي، يحدث نتيجة العذاب الشديد الذي يتعرض له المعتقلون، وهو نوع من الوسائل الدفاعية النفسية، نتيجة عدم قدرة الشخص على تحمل العذاب الشديد، فيساعده عقله على فقدان الذاكرة بصورة لاواعية”.

أما عن تأثير التعذيب على التفاعلات الاجتماعية والعلاقات الشخصية للأفراد بعد الإفراج عنهم، فقال كرامة: “تفقد مهارة التفاعل مع الآخر نتيجة الخوف والشك وضعف الثقة بالذات والحذر من الآخر وفقدان شهية العيش والتعبير عن المشاعر الإيجابية. كما أنّ الآثار الطويلة الأمد للتعذيب على الصحة العقلية تكمن في الاكتئاب المتكرر، العزلة، الكوابيس، عدم القدرة على الانخراط والنجاح مجدداً، وأحياناً يصل الحد إلى الانتحار داخل السجن أو بعد الافراج نظراً الى الشعور بالإهانة والإنكسار الدائم”.

وشرح كرامة عن اضطراب الكرب ما بعد الصدمة “وهو نوع من القلق النفسي الذي يجعل المسجونين على درجة عالية من التوتر والقلق والترقب واليقظة المتعبة وصعوبة في القدرة على التعامل السلس مع الناس لأنهم يشعرون بنوع من الانفصال عن المحيط. ويتذكر المعتقلون لحظات التعذيب والصدمات التي عاشوها وكأنها تحدث الآن. ويكون دائماً لديهم شعور الترقب بحدوث أمر سيء، وتكون حواسهم متوترة وكأن مظاهر التعذيب التي حصلت لهم سابقاً ستتكرر، ويتذكرون المواقف واستعادتها بصورة مستمرة، إذ يستعيدونها على شكل صور مرئية يشاهدونها في خيالهم أو أحياناً في الأحلام”.

ولفت الى أنّ “البعض يمكن أن يصبح لديه نوع من الحالات الذهانية المرافقة للإكتئاب الشديد، والاضطرابات الذهانية أي الاضطرابات التي يكون الإنسان فيها منفصلاً عن واقعه، اذ يتوهم أشياء غير موجودة أو يعاني هلوسة حسية. هؤلاء الأشخاص أحياناً يتوهمون المراقبة، أي يظنون أن هناك أشخاصاً يريدون إيذاءهم، أو أن هناك من يتبعهم، وأحياناً يسمعون أصواتاً غير موجودة أو يرون خيالات غير موجودة”.

وعن مدة العلاج التي يحتاج اليها ضحايا السجون، فقد يستمر الأمر لأشهر، وفي بعض الحالات لسنوات وأحياناً مدى الحياة. ويشدد كرامة على “أننا نحتاج الى مؤسسات متخصصة داعمة تتابع حالة المريض في المستشفيات من خلال تقنيات العلاج النفسي والعلاج السلوكي المعرفي، وعندما يخرج الضحية يجب أن يكون محاطاً بالأهل والأصدقاء”.

شارك المقال