مرة جديدة يخلو الجنوب من أبنائه، فبعد أكثر من مئة يوم على الحرب التي يشنّها العدو الإسرائيلي على لبنان، لا يزال الجنوب يعيش تحت وطأة الغارات والاستهدافات والقصف المدفعي، في مشهد يتكرّر يومياً ويعيد إلى الأذهان فصولاً من الدمار لم تندمل جراحها بعد.
على مدى أكثر من مئة يوم، دفع الجنوب أثماناً باهظة، فسقط شهداء وجرحى، وتحوّلت منازل ومؤسسات وأرزاق إلى ركام. خسائر لم تقتصر على البشر، بل طالت الحجر أيضاً، لتترك وراءها مشهداً مثقلاً بالخراب.
وعاد الدمار ليتصدّر المشهد الجنوبي، فقرى فقدت معالمها بالكامل، وأخرى أُصيبت بجروح عميقة بعد أن دُمّرت أجزاء واسعة منها، فيما سُوّيت منازل بالأرض وتضررت عشرات الوحدات السكنية في مناطق عدة.
وما إن عاد أبناء الجنوب من الحرب السابقة لترميم بيوتهم وإعادة بناء ما تهدّم، حتى وجدوا أنفسهم مجدداً أمام حرب أخرى، أعادت نسف ما شُيّد، وفتحت فصلاً جديداً من المعاناة.
في النبطية وقضائها، يبدو المشهد أكثر إيلاماً. فمدينة حسن كامل الصباح خفتت أنوار مصابيحها، وبات ضوء الغارات والقصف المدفعي صاخباً في ليلها. فهذه المدينة التي كانت مفعمة بالحياة، أصاب الدمار أسواقها التجارية، فيما تحوّلت بلدات بأكملها إلى أكوام من الركام، وسط خسائر بشرية واقتصادية ثقيلة.
يوضح رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين عبر “لبنان الكبير” أن: “الاستهدافات الإسرائيلية ركّزت بشكل أساسي على السوق التجاري في المدينة، في مسعى لإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر الاقتصادية”، مشيراً إلى أن معظم الأبنية التي تعرضت للقصف كانت غير مأهولة، فيما تراجعت الخسائر البشرية خلال الفترة الأخيرة، ومؤكداً خلو مدينة النبطية من السكان فالجميع غادر إلى مناطق آمنة باستثناء الطواقم الطبية من مستشفيات، هيئة صحية، دفاع مدني، وبيت الطلبة.
ويشير فخر الدين إلى أن: “حجم الدمار الذي لحق بالنبطية كبير جداً، ما يجعل عودة الحياة إلى طبيعتها مسألة تحتاج إلى وقت”، لافتاً إلى أن الطرقات باتت سالكة، فيما تتولى وزارة الأشغال العامة والنقل مهمة إزالة الركام.
وعلى الرغم من الأضرار التي طالت البنى التحتية، يؤكد أن “إمدادات المياه لم تنقطع عن المدينة، على الرغم من أن بعض الآبار التي تغذي المستشفيات تعطلت، إلا أن البلدية سارعت إلى تأمين البطاريات اللازمة وإعادة تشغيل محطة الضخ، وتواصل الطواقم الطبية عملها الميداني”.
أما أزمة الكهرباء، فلا تزال قائمة نتيجة تضرر الشبكات وانقطاع الخطوط. ويكشف فخر الدين أن “البلدية كانت، بالتعاون مع شركة مراد، تعمل على إصلاح الأعطال حتى قبل نحو عشرين يوماً، إلا أن تكثيف الغارات حال دون استكمال الأعمال حفاظاً على سلامة العاملين. كما توقفت المولدات الخاصة عن التغذية منذ أيام، بسبب نفاد مادة المازوت”.
أما صور، عروس الجنوب، فكانت في مثل هذا الوقت من كل عام تنبض بالحياة، تستقبل زوارها على شاطئها، وتزدحم مطاعمها ومقاهيها، فيما تستقطب آثارها التاريخية عشاق المدينة التي لطالما لقّبها أبناؤها بـ”روح الجنوب”. إلا أن الحرب بدّلت المشهد، فحلّت القذائف مكان الزوار، وخيّم الدمار على مدينة اشتهرت بسحرها وتاريخها العريق.
ويؤكد نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين، في حديث لـ”لبنان الكبير”، أن حجم الدمار في قضاء صور مرشح لتجاوز ما خلفته الحرب السابقة، مشيراً إلى أن مئات الوحدات السكنية داخل المدينة تعرضت للتدمير الكامل، إثر استهداف نحو 25 مبنى، ما أدى أيضاً إلى سقوط ما بين 50 و60 شهيداً.
ويلفت شرف الدين إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على الأبنية السكنية، بل طالت أيضاً مبنىً تراثياً يتجاوز عمره المئة عام، يقع بمحاذاة المواقع الأثرية التي تعرضت بدورها لأضرار جراء القصف.
وعن واقع المدينة اليوم، يشير إلى أن “صور بدت شبه خالية من سكانها بعد الإنذارات الإسرائيلية التي استهدفت أحد أحيائها، ما دفع أعداداً كبيرة من الأهالي إلى النزوح”، لافتاً إلى أن “السكان بدأوا في الأيام الأخيرة بالعودة تدريجياً إلى بعض الأحياء، في محاولة لاستعادة نبض الحياة في المدينة”.
وصلت الحرب إلى مراحلها الأخيرة، ومع كل تأخير في إنجاز الاتفاق المرتقب، يواصل العدو توسيع مشاهد الدمار في الجنوب. فطائراته المسيّرة والحربية لم تتوقف، كما لم تتوقف مدفعيته وقنابله الحارقة عن استهداف ما تبقى من القرى والبلدات الجنوبية، مستغلاً كل دقيقة تسبق الإعلان عن الاتفاق الذي لا يزال موعد إبرامه غير واضح حتى الآن.
فهل اقتربت هذه المشاهد من نهايتها فعلاً؟ وماذا لو لم يلتزم العدو بالاتفاق، وعاد مجدداً إلى سياسة القصف والتدمير؟
مهما تكن النتيجة، يبقى أمرٌ واحدٌ مؤكداً: الجنوب الذي نهض مراراً من تحت الركام، سيعود ليتعمّر من جديد، مهما بلغت الكلفة ومهما عظمت التضحيات.


