ثمانية عقود مضت، وما زال المقعد الأعلى في منظمة الأمم المتحدة ينتظر امرأة.
ثمانون عاماً من الحروب والمؤتمرات والقرارات والقمم والبيانات والوعود.
تعاقب على المنظمة تسعة أمناء عامين، وتبدلت خرائط النفوذ وموازين القوة، وسقطت إمبراطوريات وقامت أخرى، بينما ظل ذلك المقعد أسير تقليد غير معلن، كأن العالم الذي طالب النساء بقيادة الحكومات والبنوك المركزية والشركات العملاقة؛ ظلّ يتردد عند باب المنظمة التي يفترض أنها تمثل ضمير البشرية.
السباق إلى خلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش يفتح اليوم نافذة مختلفة على أزمة الأمم المتحدة. الأسماء المطروحة مهمة، غير أن السؤال الأهم يتعلق بالمنظمة نفسها: أي قيادة تستطيع انتشال مؤسسة تتعرض لتآكل مستمر في المكانة والهيبة والتأثير؟
كارولين رودريغيس بوركيت، سفيرة غويانا لدى الأمم المتحدة، دخلت المنافسة مدعومة من رئيس بلادها. وقبلها طُرحت أسماء ميشيل باشليه (تشيلي) وريبيكا غرينسبان (كوستاريكا) وماريا فرناندا إسبينوزا (الاكوادور). المشهد يكشف شيئاً من النضج الذي وصلت إليه فكرة ظلت سنوات طويلة مؤجلة: حان وقت المرأة.
حان الوقت لأن تحمل المنظمة وجهاً مختلفاً في لحظة مختلفة.
العالم الذي خرج من الحرب العالمية الثانية وأسس الأمم المتحدة كان عالماً صاغه المنتصرون. خمس دول كتبت قواعد النفوذ واحتفظت بمفاتيح القرار داخل مجلس الأمن. مرت العقود، وتبدلت الجغرافيا السياسية، بينما بقيت بنية المنظمة أسيرة زمن آخر. توسعت الأزمات، وتراجعت قدرة الأمم المتحدة على التأثير فيها. اندلعت حروب كثيرة تحت أنظارها. تحولت قراراتها في أحيان عديدة إلى أوراق تنتظر التنفيذ في عالم يتعامل مع القوة بوصفها اللغة الأكثر فاعلية.
أزمة المنظمة لا تختصرها الحسابات المالية التي دفعت غوتيريش إلى التحذير من خطر الانهيار المالي. المال يكشف العطب ولا يصنعه. الجرح الحقيقي أعمق. جرح يتصل بمكانة مؤسسة باتت تجد نفسها واقفة على هامش أحداث كبرى كان يفترض أن تكون في قلبها.
لهذا السبب تتردد في مختلف العواصم الكبرى والمتوسطة والصغيرة دعوات متزايدة لإصلاح الأمم المتحدة. الدعوات تحمل اعترافاً ضمنياً بأن النظام الدولي الذي نشأ بعد عام 1945 يشيخ أمام أعين الجميع. المؤسسات هرمت. القواعد اهترأت. آليات اتخاذ القرار فقدت كثيراً من قدرتها على مواكبة عالم تتسارع تحولاته.
وسط هذا المشهد تبدو المرأة المرشحة لقيادة المنظمة أكثر من مجرد خيار جندري. الفكرة تحمل دلالة سياسية ورمزية في وقت واحد. ثمة رغبة في كسر الحلقة المغلقة التي حكمت المؤسسة طوال ثمانية عقود. ثمة بحث عن لغة جديدة، وعن مقاربة مختلفة، وعن شخصية تستطيع مخاطبة عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة البنى القديمة على الاستيعاب.
لا تتعلق المسألة بكون المرأة أكثر حكمة أو أكثر قدرة من الرجل. تتعلق بحاجة الأمم المتحدة إلى رسالة جديدة تقول إن المؤسسة التي تطالب العالم بالتغيير قادرة على تغيير نفسها أيضاً.
دانيال فورتي من مجموعة الأزمات الدولية حذر من أن الأمم المتحدة تحتاج أكثر من أي وقت مضى؛ إلى أمين عام يمتلك رؤية واضحة واستباقية لصنع السلام وإدارة الأزمات. كلامه يختصر جوهر اللحظة. المنظمة تقف أمام مفترق طرق. طريق يقود إلى مزيد من التراجع والتهميش. وطريق آخر يبدأ بإصلاحات جريئة تعيد تعريف دورها ومكانتها.
لهذا لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقاً بمن سيخلف غوتيريش، وإنما بما إذا كانت الأمم المتحدة تملك الشجاعة الكافية لتجديد نفسها.
ربما تبدأ الإجابة من امرأة تنتظر منذ ثمانين عاماً؛ خلف باب ذلك المكتب.


