في مرحلة “الربيع العربي”، أو ما سميت كذلك، استخدم الغرب الإسلامويين لملء فراغ الأنظمة العربية الآفلة، وربما شطح بعض الدوائر الغربية، وأراد أن تسقط المنطقة، أغلبها أو كلها، في قبضة الإسلام السياسي، من أجل صياغة جديدة للشرق الأوسط، لكن تحالفاً متيناً أسقط هذا التوجه، عماده السعودية والإمارات والأردن والجيش المصري.
بعد سقوط نظام الإخوان في مصر بأيام، انطلقت مفاوضات إدارة أوباما مع النظام الإيراني حول البرنامج النووي، وخطورة تلك المفاوضات تكمن في بنودها غير المكتوبة، وخلاصتها أن ترتكب إسرائيل في فلسطين ما شاءت مقابل أن ترتكب إيران في دنيا العرب ما تشاء، ويغطى كل ذلك بعداء إعلامي وشكلي بين الطرفين.
غادرت إدارة أوباما وحلت محلها إدارة ترامب، وأقنع العرب الإدارة الأميركية الجديدة، أو اقتنعوا بطرحها، بأن السلام بين الأغلبية السنية والدولة الإسرائيلية أربح وأجدى وأدوم بالنسبة الى كل الأطراف، فانطلق قطار “السلام الإبراهيمي”، وكانت إيران هي المتضرر الوحيد منه، خصوصاً وأن الصفقة العربية – الإسرائيلية تراعي حقوق الفلسطينيين، فعلى سبيل المثال تشترط الاتفاقية الإماراتية – الإسرائيلية عدم ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.
جاءت إدارة بايدن مكان إدارة ترامب، وعلى الرغم من تعاطف الديموقراطيين – بشكل ما – مع الإيرانيين، صمد قطار السلام الإبراهيمي في مسيرته، فما كان أمام إيران وحلفائها سوى تفجير المنطقة بعملية 7 أكتوبر 2023 والتي أدت إلى نتائج عكسية، أرادت إيران استعادة فكرة تحالف الأقليات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فانقلب السحر على الساحر، ومسحت إسرائيل – إلى حد كبير – “حماس” و”حزب الله”، ويبدو أنها ستكمل طريقها في مناطق أخرى، وهنا بزغت الحاجة إلى الإسلامويين مجدداً.
بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل بنحو 60 دقيقة، انطلقت “هيئة تحرير الشام” ومن والاها على أنقاض نظام بشار الأسد ومحور الممانعة كله في سوريا، وتم الاستيلاء على حلب وحماة ثم حمص وأخيراً.. دمشق. وكان هذا الانقلاب الدراماتيكي يهدف إلى أمرين جديين:
1- قطع طريق السلاح الإيراني بين طهران وبيروت.
2- تنظيف الجيوب الإيرانية بينهما. ويبدو أن الحسابات الغربية وجدت في الإسلامويين الأداة التنفيذية الوحيدة لهذه المهمة.
إلى الآن، يبدو الاستخدام الغربي للإسلامويين منضبطاً وفعالاً ومحدوداً، وتبدو الإدارة التركية لذراعها الإسلاموي ناجحة، لكن هناك تساؤلات عربية محقة في هذا السياق سببها تجارب تاريخية:
1- كل جهة ظنت أنها تستخدم الإسلامويين انقلب عليها الإسلامويون في النهاية، فعلى سبيل المثال ظن الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات أنه سيستخدم الإسلامويين ليحاصر الناصريين ولكن الإسلامويون – في النهاية – قتلوه.
2- الطابع الأممي للفكرة الإسلاموية يهدد الدول الوطنية في المنطقة.
3- إن المشغل التركي للأذرع الإسلاموية لديه مطامع معلنة أو شبه معلنة في المنطقة، خصوصاً في العراق وليبيا بعد سوريا.
4- مثل السلوك الإسرائيلي الهجومي في المنطقة ضد الأذرع الإيرانية، نقطة تقاطع واضحة وصريحة مع المصالح العربية، لكن السلوك الإسرائيلي المتعنت والمتعسف والصلف ضد الفلسطينيين عموماً والمدعوم بتنامي اليمين الصهيوني المتطرف، يمثل أكثر من مشكلة للعرب كلهم، فهو يجهض فرص السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة، ويضعف الاعتدال ويقوي التطرف، ويهدد دولاً عربية بالانفجار الداخلي أهمها الأردن الذي يعد هدفاً للتطرف الإسرائيلي لتصفية الضفة الغربية كما يعد هدفاً للمشروع الإيراني من أجل تعويض خسائره.
5- إن العرب لم يحاربوا المشروع الإيراني ليعانوا بعدها من هيمنة تركية أو سلطان إسرائيلي.
6- إن العرب لم يخوضوا لنحو عقدين حرباً شعواء وجذرية ضد التطرف والإسلام السياسي ليقبلوا بدولة إسلاموية رفضوها في مصر ولم يعترفوا بها في غزة، فكيف إذا كانت في الشام.
7- إن المهمة الإسلاموية في سوريا (قطع طريق السلاح وتجفيف الجيوب الإيرانية) مصلحة عربية استراتيجية، لكن قيام الإسلامويين بذلك – بكل تبعاته وتداعياته وأعراضه الجانبية – مشكلة عربية استراتيجية أيضاً، ليكون سؤال المرحلة العربية: أحمد الشرع هو الشخص الخطأ الذي يفعل الشيء الصواب إلى الآن، فهل ندعمه لأنه يفعل الصواب أو نعاديه لأنه الشخص الخطأ؟
على كل حال، إن القبول الغربي بسيطرة الإسلامويين على سوريا، والذي لا نعرف بعد هل سيكون موقتاً أو دائماً، مفاده جدية اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان والذي خلاصته نزع سلاح ميليشيا “حزب الله” وإنهاء هيمنتها على الدولة اللبنانية مهما حاول الثنائي الشيعي تسويق غير ذلك.
المتوقع أن الموجة الإسلاموية الجديدة بناء على الأهداف الغربية والإسرائيلية لن تقف في سوريا وستلاحق الجيوب الإيرانية في العراق وربما في اليمن، ولبنان مستثنى من ذلك إلى الآن، وما يحميه ليس “سلاح المقاومة” بل اتفاق وقف إطلاق النار، وإن محاولة الاحتيال على الاتفاق من أجل إعادة بناء قدرات “حزب الله” ومقدراته العسكرية والأمنية والسياسية سيعرض لبنان إلى خطر كبير، خصوصاً وأن هناك ثأراً سورياً ساخناً من ميليشيا الحزب الإلهي.
لذلك تكتسب انتخابات رئاسة الجمهورية في لبنان، ثم تسمية رئيس الحكومة، وبعدها تأليف الحكومة وتشكيلها، أهمية كبرى، فإذا بدا أن للحزب الإلهي – ومن والاه – الكلمة العليا في فرض الأسماء وتحديد الحصص والسياسات، سيصبح الانقضاض الإسلاموي على لبنان – لا سمح الله – مسألة وقت.
وعلى العرب مسؤولية تاريخية في لبنان ومصلحة استراتيجية، إذ لا يجب السماح بعودة الهيمنة الإيرانية ولا يجب التسامح مع التمدد الإسلاموي، والزيارات اللبنانية المعلنة إلى دمشق، تعكس تعطشاً لبنانياً لعودة العرب إلى لبنان بعد إهمال طويل، فاللبنانيون يتوقون إلى مظلة أمان تنتشلهم من الأزمات المعيشية المتفاقمة وتحصن وحدتهم الوطنية ونهائية كيانهم وهويتهم.
في اختبار تلو اختبار، نجح أغلب اللبنانيين في إثبات وتأكيد رفضهم للهيمنة الإيرانية وللفكرة الإسلاموية، أسقط اللبنانيون حلفاء إيران في انتخابات 2005 ثم انتخابات 2009، وفي انتخابات 2022 أسقطوا الرهانين الإيراني والإسلاموي معاً على الرغم من اعتكاف الزعامة السنية، وفي هذا الظرف الحساس والدقيق سيؤدي استمرار الابتعاد العربي عن لبنان إلى مفاقمة أزمات المنطقة.
حساسية الظرف والمرحلة تمتد من لبنان إلى الشام، فمحاولة أي طرف لإحياء نظام الأسد في سوريا عبر شقيقه ماهر أو غيره ستزيد الإسلامويين قوة، لذلك فإن عودة العرب الواجبة واللازمة والضرورية إلى سوريا الآن تستهدف منع الفلول الإيرانية من استعادة الشام، ومنع القرار الإسلاموي من الاستفراد بحاضر سوريا ومستقبلها.
يغلب الظن، أن المعيار العربي في التعامل مع التطورات الجارية يعتمد على سلامة الأردن وليبيا التي يتمركز فيها وجود إسلاموي – تركي ملحوظ، فانقضاض أي طرف على الأردن لا يمكن تفسيره بغير استهداف دول الخليج العربي، وانقضاض أي طرف على ليبيا لا يمكن تفسيره بغير استهداف مصر، ومن يستهدف الخليج أو مصر – إيرانياً كان أو إسلاموياً – فهو يستهدف العرب كلهم ولا مفر من الاستنفار عليه، وبدلاً من أن تدخل المنطقة في حقبة سلام واستقرار وازدهار ستختلط الأوراق وتنفجر القلاقل بلا رحمة وبلا حدود.
إن قراءة مستقبل المنطقة لا تكتمل ولا تستقيم من دون ملاحظة أو مراعاة عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ولا شك في أن ترامب الجديد سيختلف عن ترامب القديم، ليس لأن الرجل تغير، بل لأن العالم كله تغير وحكمته ظروف جديدة، وترامب المعروف في فترته الأولى بانسجامه مع الدول العربية المتجذرة – مثل السعودية ومصر – هو نفسه الذي أباح لتركيا اقتحام المسرح الليبي في تلك الفترة، وكما أن للدول العربية تأثيرها على إدارة ترامب فللحكومة الإسرائيلية تأثيرها المقابل، “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.


