الامارات في 2024: رحلة نحو التميز والريادة الاقتصادية العالمية

سوليكا علاء الدين

استكمالاً لمسيرة النجاح التي حققتها في العام 2023، أحرزت دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 2024 سلسلة من الإنجازات الاستثنائية التي عززت مكانتها كقوة مؤثرة على الساحة الاقتصادية الاقليمية والعالمية. وقد تألقت الامارات مجدداً، مُؤكدة ريادتها المستدامة وابتكارها المستمر في مختلف القطاعات والمجالات. وتُعد هذه الإنجازات تجسيداً لثمار السياسات الاقتصادية الحكيمة التي تتبنّاها الدولة، فضلاً عن رؤيتها المستقبلية الطموحة التي تواصل دفع عجلة التنمية إلى آفاق أوسع، ما يُسهم في تحقيق المزيد من الاستقرار والازدهار.

تفوّق اقتصادي في 2024

إذاً، تواصل الامارات تعزيز موقعها كشريك عالمي ومركز اقتصادي جاذب وفاعل، وفقاً لأهداف رؤية “نحن الامارات 2031″، التي تهدف إلى مضاعفة الناتج المحلي الاجمالي ليصل إلى 3 تريليونات درهم وزيادة صادرات الدولة غير النفطية إلى 800 مليار درهم بحلول العقد المقبل. وفي العام 2024، نجح الاقتصاد الاماراتي في الحفاظ على وتيرة نموه المتسارعة عبر مختلف المؤشرات الكلية، محققاً تقدماً ملحوظاً في مسيرته التنموية نحو بناء اقتصاد مستدام. وفقاً لمصرف الامارات المركزي الذي أبقى على تقديراته لنمو الاقتصاد بنسبة 4 في المئة في العام 2024، فقد ساهمت الاتفاقيات الاقتصادية الشاملة التي أبرمتها الامارات مع العديد من الدول في تعزيز شراكاتها التجارية الدولية. وقد انعكس ذلك بصورة إيجابية على نمو التجارة غير النفطية، التي بلغت قيمتها 1.3 تريليون درهم في النصف الأول من 2024، أي ما يعادل نحو 134 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. ويُظهر هذا الرقم زيادة سنوية بنسبة 10.6 في المئة، ما يؤكد نجاح السياسات الحكومية في تعزيز العلاقات التجارية وتنويع الاقتصاد.

وأدّت السياسات المالية للدولة في ضمان استدامة النمو الاقتصادي، وهو ما تمثّل في العديد من المؤشرات المالية الايجابية. ففي النصف الأول من العام 2024، حققت الدولة فائضاً مالياً بلغ 65.7 مليار درهم، ما يعادل 6.7 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، مسجلاً زيادة بنسبة 38.8 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. كما شهدت الايرادات الحكومية نمواً بنسبة 6.9 في المئة لتصل إلى 263.9 مليار درهم، بدعم من زيادة كبيرة في الايرادات الضريبية التي بلغت 22.4 في المئة. من جهة أخرى، ارتفعت النفقات الرأسمالية العامة بنسبة 51.7 في المئة على أساس سنوي، لتصل إلى 11 مليار درهم في النصف الأول من 2024، وهو ما يُشير إلى حرص الحكومة على تعزيز البنية التحتية، وبالتالي خلق بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية المستدامة.

من جهة أخرى، بلغ إجمالي الأصول المصرفية في الامارات 4.4 تريليون درهم بنهاية الربع الثالث من 2024، مع ارتفاع الودائع المصرفية إلى 2.76 تريليون درهم، في حين ضخّت البنوك 105.6 مليارات درهم في القطاع الخاص. كما تجاوز رصيد المصرف المركزي من الذهب حاجز 23 مليار درهم في أيلول 2024، محققاً انتعاشاً بنسبة 27.76 في المئة، بحيث سجل ارتفاعاً بنحو 5.3 في المئة على أساس شهري، بما يعادل 1.164 مليار درهم، ليبلغ 23.185 مليار درهم.

بالاضافة إلى ذلك، حققت الامارات تصنيفاً ائتمانياً سيادياً بارزاً، وقامت وكالة “فيتش” بتثبيت التصنيف الائتماني للدولة عند مستوى قوي للغاية “AA-“. في حين منحت وكالة “ستاندرد آند بورز” الدولة تصنيفاً ائتمانياً عند مستوى”AA”. كما حددت وكالة “موديز” تصنيف الائتمان للإمارات عند مستوى “Aa2″، مع نظرة مستقبلية مستقرة لجميع تصنيفات هذه الوكالات.

وعلى صعيد الشراكات الدولية، أبرمت الامارات 24 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع أسواق استراتيجية حول العالم، فيما اقتربت تجارتها الخارجية من 1.4 تريليون درهم في النصف الأول من 2024، مع نمو بنسبة 25 في المئة في صادراتها غير النفطية، متجاوزة صادراتها لعام 2019. وتستهدف الامارات الوصول إلى 3 تريليونات درهم في التجارة الخارجية غير النفطية بنهاية العام، مع خطط مستقبلية لمضاعفة تجارتها الخارجية غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم وزيادة صادراتها إلى 800 مليار درهم بحلول 2031.

وجهة الاستثمار الأولى

تمضي الامارات قدماً في توفير بيئة استثمارية جاذبة وداعمة للنمو. ويُعد الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) والشراكات الدولية من الركائز الأساسية التي تدعم الاقتصاد الوطني وتساهم في تطوير الأعمال، بحيث تُقدّم الدولة مزايا تنافسية واضحة تتيح فرصاً استثمارية ضخمة في مختلف القطاعات، ما يجعلها وجهة مفضلة للمستثمرين العالميين.

وفقاً لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” للاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2024، سجّلت الامارات نمواً استثنائياً بنسبة 35 في المئة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، الأمر الذي مكّنها من الحصول على المركز الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية في عدد مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة، بحيث تم تسجيل 1323 مشروعاً جديداً خلال العام 2023. وقد بلغت قيمة هذه التدفقات نحو 112.6 مليار درهم (ما يعادل 30.7 مليار دولار أميركي). كما استحوذت الامارات على 45.4 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة إلى الدول العربية، التي بلغت قيمتها 248.3 مليار درهم في العام نفسه.

وفي إطار تعزيز مكانتها كمقصد رئيسي للاستثمار، أطلقت الامارات “الاستراتيجية الوطنية للاستثمار لعام 2031″، التي تهدف إلى زيادة رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر التراكمي ثلاث مرات ليصل إلى 2.2 تريليون درهم بحلول العام 2031. تستهدف الاستراتيجية مضاعفة الاستثمارات الأجنبية المباشرة التراكمية بين عامي 2025 و2031 لتصل إلى 30 في المئة من إجمالي الاستثمارات في الدولة، مقارنة بـ 15 في المئة حالياً، بما يعادل نحو 1.3 تريليون درهم. كما تركز على جذب الاستثمارات الأجنبية النوعية في القطاعات الحيوية مثل الصناعة المتقدمة، الاتصالات وتقنية المعلومات، الخدمات المالية، النقل واللوجيستيات، الطاقة المتجددة والمياه، والبنية التحتية.

تتضمن “الاستراتيجية الوطنية للاستثمار 2031” خمسة توجهات استراتيجية تهدف إلى تسريع نمو الاستثمار الأجنبي في الامارات، من خلال استقطاب استثمارات جديدة في القطاعات ذات الأولوية وتعزيز الاستثمارات في المشاريع القائمة. كما تركز على تحسين العلاقات مع المستثمرين، وزيادة الشفافية، وتعزيز تنافسية الدولة عالمياً، بالاضافة إلى دعم الابتكار والبحث والتطوير لتعزيز الشركات الناشئة. وبالتوازي، تم إطلاق مبادرة “استثمر في الامارات” لترسيخ مكانة الدولة على خريطة الاستثمار العالمية، عبر تسليط الضوء على الفرص وتنظيم الفعاليات والحملات التسويقية.

تألّق عربي وعالمي

على مدار العام، واصلت دولة الامارات تبوؤ الصدارة على الصعيدين العربي والعالمي، محققة مراتب متقدمة في مختلف التقارير الدولية، ما جعلها نموذجاً متميزاً في مجالي الابتكار والتنمية المستدامة. وفقاً لاستطلاع مجلة “يو إس نيوز”، احتلت الامارات المركز الأول عربياً وخليجياً والـ 33 عالمياً كأكثر البلدان جذباً للعيش والإقامة والعمل. كما تبوأت المركز الأول في تصنيف أكثر الدول استقراراً اقتصادياً لعام 2024.

على مستوى التنافسية، عززت الامارات موقعها البارز عالمياً، حيث تقدّمت ثلاث مراتب لتحتل المركز السابع عالمياً والأول عربياً ضمن 67 دولة تُعتبر الأكثر تنافسية في العالم، بعد أن دخلت قائمة أفضل 10 دول العام الماضي، وذلك وفقاً للتقرير السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن مركز التنافسية العالمي التابع للمعهد الدولي للتنمية الادارية. وقد جاء الأداء الاماراتي متميزاً في مختلف محاور التقرير، حيث حلّت الدولة في المركز الثاني عالمياً في محور الأداء الاقتصادي، وفي المركز الرابع عالمياً في محور كفاءة الحكومة، وفي المركز العاشر في محور كفاءة بيئة الأعمال. كما تصدّرت الامارات وفقاً لصندوق النقد العربي مؤشر تنافسية الاقتصادات العربية، محققة المركز الأول في بيئة وجاذبية الاستثمار.

وعلى صعيد مؤشر التنمية البشرية لعام 2023-2024 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تصدرت دولة الامارات المراكز الأولى إقليمياً، بحيث احتلت المركز الأول على مستوى المنطقة، وحلت في المركز 17 عالمياً من بين 193 دولة. كما جاءت في مقدمة دول العالم للعام الثالث على التوالي في تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال 2023-2024، مسجلة معدل 7.7 كرقم قياسي يتم تحقيقه للمرة الأولى في تاريخ التقرير منذ إطلاقه.

وفي 2024، واصلت الامارات تميزها في قطاع الطيران المدني، حيث احتلت المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر “جودة البنية التحتية للنقل الجوي” ضمن “مؤشر تنمية السياحة والسفر” الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. كما حققت المركز الثالث عالمياً في مؤشري “كفاءة خدمات النقل الجوي” و”عدد المقاعد للرحلات الدولية المنطلقة أسبوعياً بالكيلومتر”.

علاوة على ذلك، حققت الامارات نتائج مميزة في تقرير الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الالكترونية 2024، بحيث جاءت في المركز الأول الوحيد على الصعيد العالمي في مؤشر البنية التحتية للاتصالات، محققة العلامة الكاملة بنسبة 100 في المئة. كما تقدمت الدولة 34 مرتبة في مؤشر رأس المال البشري، منتقلة من المركز 44 إلى المركز العاشر، مُتصدّرة الترتيبين الآسيوي والعربي. بالاضافة إلى ذلك، احتلت المركز الأول عالمياً في مؤشرات محو أمية الحكومة الالكترونية، والاطار المؤسسي، وتقديم مضمون الخدمات الالكترونية.

وفي مجال التنمية المستدامة، حققت الامارات إنجازاً كبيراً بحلولها في المركز الخامس عالمياً في مؤشر البنية التحتية للجودة للتطور المستدام لعام 2024، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “UNIDO”، ضمن فئة الدول التي يتراوح ناتجها الاجمالي المحلي بين 100 مليار دولار وتريليون دولار أميركي. كما تصدرت الدولة قائمة أكبر 10 أسواق ناشئة في العالم وفقاً لمؤشر “أجيليتي” اللوجيستي 2024، لتشكّل قوّة مهمة للتجارة واللوجيستيات على الصعيدين الاقليمي والدولي. الجدير بالذكر أن الدولة احتلّت الصدارة عربياً في مؤشر التجارة العالمية 2023، بينما جاءت في المركز الـ 31 عالمياً.

تحول اقتصادي واعد

تُظهر هذه المراتب المتقدمة نجاح رؤية الامارات الثاقبة التي تعكس التزامها الراسخ بتطبيق استراتيجيات مبتكرة تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط وتعزيز تنافسيته على المستويين الاقليمي والعالمي. وتتركز هذه الاستراتيجيات على تطوير القطاعات غير النفطية مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا والخدمات المالية والسياحة والبناء والعقارات، التي تساهم بنسبة 74 في المئة في الناتج المحلي الاجمالي، ما يُعزّز مكانتها بين الدول الرائدة في بناء اقتصاد معرفي متنوع، يضمن للأجيال القادمة مستقبلاً اقتصادياً قوياً ومستداماً.

شارك المقال