تفاعلت مدينة طرابلس والشمال مع خبر إلقاء أهالي منطقة باب التبانة القبض على سوريين في باص كان يُريد التوجّه إلى الدّاخل اللبناني، واعتقدوا أنّهم من الفرقة الرابعة أو من الضباط السوريين الذين فرّوا من بلادهم ولجأوا إلى لبنان، ما أثار غضبهم ودفعهم إلى ضربهم وتسليمهم بعدها إلى الجيش اللبناني.
ليْست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها عناصر “نظامية” إلى “قتلة” لدى مرورها من طرابلس ومن باب التبانة تحديداً، “لكنّ الرواية التي روّج لها الاعلام كانت مستغربة”، وذلك وفق ما يُؤكّد مصدر مسؤول من باب التبانة، ويقول لـ “لبنان الكبير”: “الاعلام المكتوب أو المرئيّ الذي تطرّق إلى الحادثة ركّز على روايتيْن، الأولى: اعتداء أهالي التبانة على نازحين سوريين في باص، بحيث شبّه بعض الاعلام بيئة المنطقة ببيئة حزب الله أو أيّة بيئة رفضت النزوح مسبقاً، والثانية، تلفت إلى تساؤل وجّهه أحد الركّاب الى أهل المنطقة حول كيفية التوجه إلى زغرتا، فتمّ التشكيك بالباص وتوجّهه، ليكتشفوا أنّه للسوريين الفارّين”.
ويرى المصدر أنّ المعركة اليوم ليست بيْن السوريين واللبنانيين، بل بيْن أبناء باب التبانة والأجهزة الأمنية “التي أوعزت إلى بعض الاعلاميين أو المشايخ لترويج الروايتيْن اللتيْن تمّ تداولهما أخيراً والتأكيد أنّ ركّاب الباص من المدنيين لا العسكريين”، لافتاً إلى أنّ الأجهزة قد تفعل ذلك لهدفيْن: إمّا لمنع الشبّان من التورّط في هذه المسائل وتركها للأمنيين كيّ لا يتورّط أحد بفتنة جديدة تُحدث ردّ فعل، أو لتحجيم دور سعد المصري أحد أكبر فعاليات المنطقة والذي يُعدّ محبوباً من النّاس وله علاقة بوصول الباص إلى التبانة.
وبعد طرحه تساؤلاتٍ حول سبب دخول السوريين إلى لبنان وفلتان الحدود خلال هذه الفترة بغياب دور الأجهزة (خصوصاً أنّهم يدخلون بلا هوّيات أو إثباتات، ما يضعهم أساساً في خانة الشكّ)، يذْكر روايته قائلاً: “تلقّى سعد المصري اتصالًا (من أحد العارفين بأمر الباص) يُنذره بوجود حافلة (الساعة الثانية صباحاً) تحمل عناصر فرّت من النظام، وأبلغه المتصل أنّ البعض يُريد إطلاق النار عليهم للتخلّص منهم، لكنّ المصري أقنعه بإرسالهم إلى التبانة (كي لا يُقتلوا)، وفكّر بتسليمهم إلى الجيش كيّ لا يتورّط أبناء المنطقة بدم، فتواصل مع الأجهزة ووصلوا بعد ساعة”.
ويُضيف: “خلال هذه الفترة، تلقّى الشبّان (الذين نفوْا كلّ ما يُنسب إليهم، ولا يُدركون حتّى وُجهتهم)، ضرباً من الأهالي الذين شكّوا بانتمائهم إلى النّظام، (كما وُجد نساء وأطفال بينهم لا يعرفون شيئاً ولا علاقة لهم بالرجال الموجودين، وكأنّهم غطاء مدنيّ لحمايتهم)، وعلى الرّغم من كلّ ما حدث، أبعدنا الشبان عنهم وانتظرنا الجيش ليصل، وأخذهم للتحقيق”.
وفي ردّ منه على “الاعلام” الذي يُقارن موقف طرابلس بموقف “الجولاني” الذي يُجري تسوية للإعفاء عن العناصر النّظامية، يقول: “موقفنا لا يُمثل أحمد الشرع، ففي حال أصدر عفواً أو تسوية بحقّهم، فلا يشملان المتورّطين، وللأسف لا أحد يعرف عمق جرحنا من النّظام، لكنّ الأجهزة تعرف، ونتمنّى منها ضبط الحدود، متابعة الأمر، اعتقال كلّ مجرم، ونفي كلّ شائعة (كضربنا للنّساء والأطفال، وهذا أمر عار من الصحة تماماً)”.
ويشير المصدر إلى أنّ بعض الأجهزة طلب من المصري نشر بيان يكتب فيه أنّ ركّاب الباص مدنيّون، وأنّ ما حدث كان “سوء تفاهم”، لكنّه رفض حسب روايته، مؤكّداً أنّ الباص لم يمرّ من حاجز دير عمار، بل لجأ إلى جبل تُربل ليتجاوز الحاجز بطريق تحتاج إلى ثلاث ساعات، “وفي حال كان الباص للمقيمين كما يُقال، فلماذا يسير ضمن طرقات جبلية في وقتٍ متأخر؟ إنّها لعبة من المهرّب الذي يلعب بطريقة أخرى أيضاً، ويعرف أنّ الجيش يُدقّق على الفانات لا على سيارات الأجرة، وبعد أخذه 100 دولار من كلّ شخص، يأمر الباص بالوقوف قبل الحاجز، فيُسهّل تجاوزهم بمرور كلّ اثنين منهم عبر الحاجز بتاكسي، فيصلوا إلى دوار نهر أبو علي، ويعودوا بباص إلى الدّاخل”.
معطيات “لبنان الكبير” من التبانة، تلفت إلى أنّ شباب المنطقة تمكّنوا من توقيف باص آخر يوم الخميس الفائت (وصل الرابعة صباحاً)، ولم يتمكّن أحد من التعرّف إلى ركّابه، “كانوا بلا أوراق، ولم يعرف أحدهم إلى أيْن يذهب كما لم يتلقّوا ضرباً من أحد وتمّ إرسالهم إلى الأمن العام، لكن على ما يبدو أنّ الاتصال الذي ورد اعترف بوجود عسكريين، الأمر الذي يُفسّر ردّ الفعل، مع العلم أنّ معظم أهالي التبانة كان يرى أنّ ما حدث لا يجوز شرعاً”.
المحامي محمّد صبلوح، يُؤيّد عبر “لبنان الكبير” تسليم كلّ عنصر في صفوف النّظام إلى الأمنيين سنداً للمادّة الثامنة من اتفاقية مناهضة التعذيب “لكنْ علينا أنْ نتأكّد من تسليمهم بأسسٍ سليمة وقائمة على معطيات صحيحة لا معلومات مغلوطة أو شائعات، وبعد التغييرات السورية، الكلّ بات يُراهن على فرض حرب أهلية أو تناحر (كما حصل في ليبيا) ليتنفس الصعداء، ما قد يُؤدّي إلى فتنة، لذلك علينا أنْ نكون واعين، وعلى الأجهزة التي كانت توقف اللبنانيين على نواياهم، متابعة الأمر، إظهار حسن نيّتها، وتوقيف المتورّطين النّظاميين لتخفيف الاحتقان ومنع النّاس من التورّط بهذه الملفات”.


