في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية التي تشهدها سوريا، أصدرت وزارة التربية والتعليم تعميماً يتضمن مجموعة من التعديلات على المناهج الدراسية، بدءاً من الصف الأول الابتدائي وصولاً إلى الثالث الثانوي. وتتضمن هذه التعديلات التي تأتي في وقتٍ حساس، حذف مادة التربية الوطنية وادخال تعديلات في مادة التربية الاسلامية، واستبدال المحتوى المرتبط بنظام الأسد الساقط، ما يثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء هذه الخطوات.
شهدت هذه التعديلات ردود فعل متباينة على منصات التواصل الاجتماعي، بين مؤيد ومعارض، بحيث رأى البعض أنها تعكس محاولة لتجديد المناهج الدراسية بما يتناسب مع المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد، بينما اعتبر آخرون أن حكومة تصريف الأعمال الحالية لا تملك الصلاحية لإجراء مثل هذه التغييرات.
يأتي هذا الجدل في سياق شعور عام بالتوجس من أي محاولة لتوجيه المناهج الدراسية، التي تعد أحد أبرز أدوات تشكيل الوعي الوطني والثقافي. فبينما يسعى البعض إلى إزالة كل ما يتعلق بالنظام السابق، يتخوف آخرون من أن تُؤدي هذه التعديلات إلى غرس أفكار جديدة قد لا تعكس تنوع المجتمع السوري أو تاريخه الغني.
شملت التعديلات التي نشرتها الوزارة، الأربعاء الماضي، حذف بعض النصوص المرتبطة بشجاعة سوريات والمساواة بين الجنسين، وأيضاً مواد أخرى مثل العلوم الحيوية والتربية القومية، واعتبار الملكة السورية المعروفة زنوبيا، شخصية خيالية، وحذف تاريخ الآراميين والكنعانيين وتاريخ الآلهة القديمة.
وفي ظل هذا الجدال القائم، علّق وزير التربية والتعليم في سوريا نذير القادري بالقول: “المناهج الدراسية في جميع مدارس سوريا ما زالت على وضعها حتى تُشَكّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها، وقد توجهنا فقط بحذف ما يتعلق بما يمجد نظام الأسد البائد واعتمدنا صور علم الثورة السورية بدل علم النظام البائد في جميع الكتب المدرسية”.
وأوضح أن “ما تم الاعلان عنه هو تعديل لبعض المعلومات المغلوطة التي اعتمدها نظام الأسد البائد في منهاج مادة التربية الاسلامية، مثل شرح بعض الآيات القرآنية بطريقة مغلوطة، فاعتمدنا شرحها الصحيح كما ورد في كتب التفسير للمراحل الدراسية كافة”.
ومن التعديلات التي اعترض عليها الفنانون السوريون، حذف تاريخ الآراميين والكنعانين وحذف تاريخ الآلهة القديمة، وما يتعلق بتطوّر القانون وفق “شريعة حمورابي”، بالاضافة إلى حذف ما يتعلق بنظرية التطور وأصل الأنواع للعالم البريطاني تشارلز داروين، مع حذف فقرة “تطور الدماغ” بالكامل من مادة العلوم.
وتم استبدال الحكم العثماني بدلاً من الاحتلال العثماني، سبيل الله بدلاً من سبيل الوطن، الشرع بدلاً من القانون، الأخوة الايمانية بدلاً من الأخوة الانسانية واستبدال مادة الفلسفة بمادة دينية.
تداول قسم كبير من الفنانين منشوراً موجهاً إلى قائد الادارة الانتقالية أحمد الشرع، جاء فيه: “لا يحقّ لوزارة تعمل ضمن حكومة تصريف أعمال موقتة أن تقوم بإجراء أي تعديلات على المناهج التعليمية، باستثناء الضرورية المرتبطة بالوضع الحالي، والتي تمجّد النظام البائد وحزب البعث”. وطالب المنشور بإلغاء قرار التعديلات وعدم المساس بالمناهج الدراسية إلى حين إجراء الانتخابات وتشكيل وزارات تمتلك الشرعية الانتخابية حينها.
ونشر الكاتب رامي كوسا صورة فارس الخوري، أحد الآباء المؤسسين للجمهورية السورية، معلقاً: “أحد الضالين في تاريخ هذه البلاد”.
وقال الكاتب معن سقباني: “هذا يعني أن مسلسليّ أخوة التراب والخوالي سيصبحان من الممنوعات قريباً”.
وعلّقت الممثلة يارا صبري على المنشور الذي شاركته بدورها، قائلةً: “هذا ليس من صلاحيات حكومة تصريف الأعمال”.
وكتب مكسيم خليل على صفحته الخاصة عبر “اكس”: “حتى هذه اللحظة، جميع المناهج الدراسية ستبقى على حالها حتى تشكيل لجان مختصة مهمتها رسم منهج دراسي، يعنى فقط بتطوير الطالب السوري فكرياً وعلمياً واجتماعياً ليكون مواطناً حراً له كل الحقوق وعليه كل الواجبات. ما سيتم إلغاؤه هو كل ما يمجد حقبة سوداء من حياتنا وهذا أمر طبيعي وواجب علينا جميعاً”.
وأضاف: “بالنسبة الى حكومة تصريف الأعمال تقع عليها مسؤولية الانتباه والوعي لعدم إصدار أي قرار أو توجيه قبل دراسة تأثيراته الايجابية والسلبية وردود فعل جميع فئات الشعب السوري، مع الأخذ في الاعتبار أن اختيار أي لجنة في المستقبل يجب أن يقوم على الكفاءة والتنوع لضمان التوافق العام. أخيراً حضور الرأي العام بشكل سلمي وحضاري هو الحل الصحيح لأي مشكلة تعترض الطريق”.
كما انقسمت المنشورات على “اكس” بين مؤيد ومعارض:
“المناهج السورية كانت سيئة ومؤدلجة بالطابع البعثي، وتحولت اليوم إلى مؤدلجة إسلامية. الأمور تتجه نحو الإسلاموية والتطرف، وكل هذا الكلام الجميل والوعود الوردية مجرد تخدير لحين تمكنهم من الحكم”.
“التعديلات بالمنهاج السوري كان فيها استهداف لكل التاريخ السوري ما قبل الاسلام رغم قلته فانشطبت تدمر وزنوبيا والآراميين والكنعانيين، وتم حذف دروس علمية بتحكي عن أصل الحياة وتطور الدماغ ودروس كاملة من كتب الفلسفة واستبدال عبارات بعبارات تكفيرية تحريضية بكتب الدين”.
“وبينما السوريين والسوريات عم يحكوا عن المعتقلين، الانتقال السياسي، الخدمات، محاسبة المجرمين وغيرها من الملفات، كانت وزارة التربية عم تنكش المنهاج السوري لتزيل أي شيء معادي للدولة العثمانية، وأي ذكر لتاريخ الحضارات السوريّة القديمة، وأي شعر غزلي وأي كلام عن مرجعية وطنية وأي صور لتماثيل أو نساء، وعملت رشة بهارات إسلاموية عليه”.
“أي حدا معترض على تعديلات المنهج السوري بديني بربي طشمة وما بيفهم الخمسة من الطمسة. الدنيا تطورت والمناهج بكل أنحاء العالم صارت أحسن من المناهج السورية وهني زعلانين ليش شالو زنوبيا من منهج الإسلامية. لك اي روح عريف مين زنوبيا بالأول وليش انحذفت بعدين تعى اعترض”.
“إن قرارات وزارة التربية صحيحة، ومنهاج نظام الأسد مغلوط بالكامل وتاريخ مزور”.
“المناهج في سوريا لا تؤثر في تشكيل الوعي السوري لأن منهجية التعليم رجعية ومتخلفة”.
وبعدما أعلنت الصفحة الرسمية لوزارة التربية على “فايسبوك” هذه التعديلات، علّق الكثير من المستخدمين على هذا المنشور وأبرزهم:
“الحكومة الحالية هي حكومة تسيير أعمال لا يحق لها إجراء هذه التعديلات على المناهج … المناهج يجب أن يرتبط تعديلها بالدستور الجديد وبلجنة مكلفة من الحكومة المنتخبة ومجلس الشعب وتحتاج إلى موافقة منهم قبل اقرارها”.
“قديش بده الدستور؟ سنتين تلاتة.. طيب المناهج؟ ساعتين تلاتة.. مسخرة حقيقية”.
“كيف هيك بتعمل بأبيات شعر من اللغة العربية ليس فيها ما له علاقة بالنظام. هذا المنهاج من أفضل المناهج وانت تغير فيه دون وجه حق. شو هالتغيرات هي؟ وين النظام السابق بكتب العلوم والعربي. لتكونوا ناويين تعطوا جرعة اسلام سياسي للمناهج كمان. بالادب العربي بدنا ندرس كل شي. الغزل والوطني والديني، الجاهلي والأموي والعباسي والحديث وكل شي. وهيك كلام غير مقبول”.
“من صلاحياتكن قانونياً تعدلوا مناهج تعليمية؟ امتى وكيف ومين سمحلكن! وشو الآلية يلي اشتغلتوا فيها أصلاً وكيف منهاج بيتعدّل ع كيفكن وبهالسرعة؟”.
“فهمنا حقكن تحذفو أقوال الأسد وصورو ونشيد حماة الديار بس ليش حاذفين كل شي الو علاقة ببطولات الجيش ضد إسرائيل وكل شي الو علاقة بظلم العثمانيين وفوق هيك عم تشوهو التاريخ القديم قبل الأديان انو كان في آلهة متعددة ياخوفي تنسفو الآثار متل ما صار بأفغانستان”.
“ليش تركيا الحالية عثمانية؟ بعرف انو كمال أتاتورك حولها لعلمانية وحارب الفكر العثماني وأردوغان مكفى مسيرة أتاتورك يعني بدكم تغيروا التاريخ وتلغوا الحضارت وشو مشكلتكم مع زنوبيا وشهداء ١٩١٦ شو مأثرين ع الوضع الحالي”.
“تغيير المناهج وتعديلها هو اجراء غير قانوني وليس من صلاحيات سلطة الأمر الواقع وبخاصة حذف نظريات علمية مثبتة وحقائق تاريخية وتضمين بعض المناهج عبارات اقصائية لا تليق بنا كشعب سوري ولا تليق بالمواطنة. من هي اللجنة التي شكلت لتقوم بهذا العمل؟ ومن شكلها؟”.


