حقق القطاع المصرفي الاماراتي في العام 2024 أداءً متميزاً على مختلف الأصعدة، بحيث سجل نمواً ملحوظاً في الأرباح والأصول والائتمان والودائع والاستثمارات. وقد تصدرت دولة الامارات العربية المتحدة المركز الأول في قطاع الخدمات المصرفية بمنطقة الشرق الأوسط، حيث تمتلك الحصة الأكبر من أصول البنوك الاقليمية التي تبلغ قيمتها 3.2 تريليون دولار أميركي. إضافة إلى ذلك، تواصل الامارات قيادة التحول الرقمي بوتيرة متسارعة، ما يضعها في صدارة مشهد التحول المالي الاقليمي ويعزز مكانتها في مجال الابتكار والتطور في القطاع المصرفي. واستمراراً لمسيرة النجاح هذه، أفادت وكالة “ستاندرد آند بورز” في تقريرها حول توقعات القطاع المصرفي لدولة الامارات لعام 2025، بعنوان “توازن النمو والمخاطر في ظل التوسع الاقتصادي”، بأن نمو الإقراض في الامارات سيظل قوياً في العام 2025.
وأرجعت الوكالة هذا النمو إلى البيئة الاقتصادية الداعمة والسياسة النقدية الميسرة، التي ستُساهم في تعزيز استقرار القطاع المصرفي وتدعمه لتحقيق مزيد من التوسع. كما أشارت إلى أن البنوك شهدت زيادة كبيرة في الودائع خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ما يعزز زخم نموها القوي. ومع ذلك، لفتت إلى أن بعض الودائع يأتي من مصادر خارجية، الأمر الذي قد يعرضه للتقلبات نتيجة لبعض الجوانب الاقتصادية الضعيفة التي من شأنها أن تؤثر على استقرار النظام المصرفي.
استمرار الزخم الاقتصادي
وفقاً للوكالة، من المتوقع أن يظل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي قوياً في الفترة من 2025 إلى 2027، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط والغاز والنشاط القوي للقطاع غير النفطي. بالاضافة إلى ذلك، ستواصل اللوائح التنظيمية الداعمة للأعمال، ونظام الضرائب المنخفضة على الشركات، وتسهيلات التأشيرات، وبرامج تأشيرات الاقامة طويلة الأمد دعم إنشاء شركات جديدة في الدولة. وعلى الرغم من وجود احتمال لتصعيد مفاجئ في التوترات الجيوسياسية الاقليمية أو انخفاضات كبيرة في أسعار النفط، فإن المخاطر الاقتصادية ستظل قابلة للإدارة بفضل المرونة التي أظهرتها المنطقة في الماضي خلال فترات انخفاض أسعار النفط وتفاقم عدم الاستقرار الجيوسياسي. وهذا يعزز التوقعات بأن الاقتصاد سيظل قادراً على التكيف مع التحديات المستقبلية.
استقرار القروض وارتفاع الربحية
توقعت وكالة “ستاندرد آند بورز” في تقريرها أن تظل القروض المتعثرة وخسائر الائتمان في البنوك الاماراتية منخفضة، وذلك بفضل الأداء القوي للقطاعات غير النفطية والخفض المتوقع لأسعار الفائدة، ما سيسهم في تحسين جودة الأصول الأساسية. على مدار العامين الماضيين، استفادت البنوك من ربحيتها العالية للاحتفاظ بمخصصات للقروض المتعثرة وشطبها، ما أدى إلى انخفاض قروض المرحلة الثالثة لأكبر 10 بنوك إلى 4 في المئة من إجمالي القروض بنهاية 30 أيلول 2024، مقارنة بأعلى مستوى لها في العام 2021 الذي بلغ 6.1 في المئة. كما ساهم ارتفاع معدلات التحصيل من القروض المشطوبة، المدعوم بتحسن الأوضاع الاقتصادية، في تقليل الخسائر الائتمانية الصافية للبنوك.
وفي السياق نفسه، تحسنت ربحية البنوك الاماراتية مع تشديد السياسة النقدية، بحيث ساهم ارتفاع أسعار الفائدة في زيادة هوامش الأرباح. ومن المتوقع أن تستمر هذه الربحية في التحسن مع انخفاض أسعار الفائدة. كما يُتوقع أن تظل تكلفة المخاطر منخفضة، ما يعني أن ربحية البنوك الاماراتية ستظل مرتفعة، وإن كانت بمستويات أقل من الذروة التي تم الوصول إليها في العام 2023. ومن المتوقع أن تحافظ البنوك على كفاءتها القوية من خلال ترشيد استخدام الفروع، ونقل الموظفين إلى مواقع خارجية أقل تكلفة، وزيادة التحول الرقمي، ما سيسهم في تعزيز الربحية.
قوة رأس المال ودعم الودائع
وقد دعّمت هوامش رأس المال القوية القطاع المصرفي على مدار السنوات الماضية، ومن المتوقع أن تعمل البنوك على تعزيز هذه الهوامش عبر توليد رأس مال داخلي قوي، مدفوعاً بالربحية العالية ودعم المساهمين، مع توزيع أرباح عموماً بنسبة تقل عن 50 في المئة. تظل جودة رأس المال قوية، بحيث تمثل أدوات الشريحة الأولى الاضافية 12.2 في المئة من إجمالي رأس المال المعدل في نهاية العام 2023، مع حصة محدودة من الأدوات الهجينة. كما يوفر انخفاض أسعار الفائدة فرصة للبنوك لتعزيز الاصدارات الهجينة واستبدال الأدوات الحالية بتكلفة أقل عند بلوغ تواريخ استدعائها، ما يسهم في تحسين الوضع المالي للبنوك على المدى الطويل.
من جهتها، تستفيد هياكل التمويل في البنوك الاماراتية من القواعد القوية لودائع العملاء الأساسيين والاعتماد المحدود على التمويل الخارجي. إذ شهد نمو الودائع تحسناً ملموساً في السنوات الأخيرة، حيث أولت الشركات الخاصة والمودعون الأفراد الأولوية للادخار بدلاً من الإنفاق، في حين أسهمت أسعار الفائدة المرتفعة في تقديم عوائد أفضل على الودائع. ومن المتوقع أن يستمر النمو القوي للودائع في العام 2025، في ظل دعم الاقتصاد غير النفطي، ما يعزز توليد تدفقات نقدية أقوى من الشركات.
صلابة التكيف والأصول الخارجية
تتمتع البنوك الاماراتية بمركز قوي في الأصول الخارجية الصافية، ما يعكس قوتها في مواجهة التحديات المالية، على الرغم من إصدارها مؤخراً أدوات دين في الأسواق الدولية، وهو ما يُعتقد أنه كان بهدف تنويع قاعدة تمويلها بدلاً من كونه ضرورة ملحة. فقد بلغ صافي الأصول الخارجية 27.2 في المئة من إجمالي القروض المحلية على مستوى النظام المصرفي في 30 أيلول 2024، ما يعزز قدرة البنوك على التكيف مع حالة عدم اليقين المستمرة في أسواق رأس المال الدولية. في هذا السياق، مثلت الودائع الأجنبية 29 في المئة من المطلوبات الأجنبية للقطاع المصرفي، بينما بلغ الاقتراض بين البنوك وتمويل سوق رأس المال نحو 20 في المئة في أيلول 2024. وعلى الرغم من أن المخاطر الجيوسياسية غير المتوقعة قد تؤدي إلى خروج رؤوس الأموال، تظل البنوك الاماراتية قادرة على تحمل ضغوط كبيرة بفضل متانتها المالية والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
الرقمنة والتنويع: مستقبل المصارف الاماراتية
على مدار السنوات القليلة الماضية، شهدت دولة الامارات تطوراً ملحوظاً في مجال البنوك الرقمية والتكنولوجيا المالية، بالاضافة إلى زيادة في المنتجات الرقمية التي تقدمها البنوك التقليدية. وقد مهدت الموافقة الأخيرة على الخطة الاطارية لتسجيل العملات المستقرة الطريق أمام إصدار العملات المستقرة المدعومة بالدرهم الاماراتي. وفي هذا السياق، من المتوقع أن تكمل البنوك الجديدة وشركات التكنولوجيا المالية دور البنوك التقليدية، بدلاً من استبدالها، في ظل استمرار مصرف الامارات العربية المتحدة المركزي في الحفاظ على استقرار النظام المصرفي التقليدي وتشجيع البنوك على تعزيز جهود التحول الرقمي.
من ناحية أخرى، يمكن إدارة الإقراض المباشر من البنوك المحلية للقطاعات المنكشفة على تحول الطاقة، بحيث يشكل نحو 11 في المئة من إجمالي الإقراض في المتوسط بنهاية العام 2023، على الرغم من التركيز الكبير للاقتصاد الاماراتي على قطاع النفط والغاز الذي يمثل نحو 25 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي الاسمي. وبالاضافة إلى ذلك، يسهم التنويع الاقتصادي المستمر، والثروة الاقتصادية العالية، والأصول السائلة الخارجية الضخمة، إلى جانب زيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، في التخفيف من مخاطر الانتقال من المصادر المنتجة للكربون على الاقتصاد والنظام المصرفي.
وفي ما يخص القطاع العقاري، شهدت أسعار العقارات في دولة الامارات ارتفاعاً واضحاً على مدى السنوات الأربع الماضية، بحيث يسهم القطاع بصورة كبيرة في النمو الاقتصادي المحلي. ومع توقع تسليم عدد كبير من الوحدات المباعة مسبقاً خلال الأشهر الـ12 المقبلة، قد يظهر السوق بعض مخاطر فائض العرض. ومع ذلك، تظل المخاطر التي تواجه البنوك محدودة، بحيث يتم تمويل معظم معاملات العقارات على الخريطة نقداً بينما يتم تمويل ما بين 30 إلى 40 في المئة من المبيعات الجاهزة باستخدام الرهن العقاري. علاوة على ذلك، انخفض انكشاف القطاع المصرفي على قطاعي العقارات والبناء إلى 15 في المئة من إجمالي دفتر الإقراض في 30 حزيران 2024، مقارنة بـ 20 في المئة في العام 2021. من جهة أخرى، حقق المطوّرون نمواً قوياً خلال السنوات الثلاث الماضية، مع تحقيق إيرادات قياسية وتحصيلات نقدية متسارعة عززت من توليد التدفق النقدي لديهم.
استقرار إيجابي حتى 2025
تتسم التوقعات الاقتصادية في دولة الامارات بالاتجاه الإيجابي، بحيث أسهم الأداء القوي للاقتصاد غير النفطي في تحسين مؤشرات جودة أصول النظام المصرفي وتقليص الخسائر الائتمانية. تشير تصنيفات الوكالة الائتمانية للبنوك وتوزيع النظرات المستقبلية إلى أن البنوك الاماراتية تسير بثبات نحو العام 2025، ما يعكس الأداء القوي الذي تحقق بفضل تحسن جودة الأصول، ونمو الإقراض، واستمرار الربحية المرتفعة. ومع ذلك، يبقى بعض المخاطر المرتبط بإمكان خفض التصنيفات الائتمانية، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الاقليمية وتقلب أسعار النفط.
من جانب آخر، تعزز استراتيجية بنك أبوظبي التجاري لتقليل المخاطر النظرة المستقبلية الايجابية للبنك، بحيث تركز هذه الاستراتيجية على تقليل الانكشاف على القطاعات والأطراف النظيرة عالية المخاطر. كما أنها مدفوعة بتوقعات الوكالة باستمرار الدعم الحكومي القوي وفي الوقت المناسب عند الحاجة.


