يشهد لبنان أزمة اقتصادية استثنائية، حيث يرزح منذ العام 2019 تحت وطأة سنوات من المعاناة والتدهور المتواصل الذي طال القطاعات كافة. في ظل هذا الوضع المأساوي، يترقب اللبنانيون بفارغ الصبر ما ستقدمه الحكومة الجديدة بعد نيلها ثقة البرلمان مطلع الأسبوع الحالي، متطلعين إلى اتخاذ إجراءات حاسمة تُعيد الثقة المفقودة بالاقتصاد الوطني، وتستقطب الدعم المالي المنشود، وتؤسس لاستقرار مستدام يساهم في إنقاذ الاقتصاد المنهار، ويضع نهاية للتحديات المستمرة التي أثقلت كاهلهم طوال السنوات الماضية.
إصلاحات مرتقبة
في هذا السياق، أقرت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة نواف سلام البيان الوزاري، الذي أكد عزمها العمل بكل شفافية لإعادة الاعمار، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي على برنامج جديد يهدف إلى تنفيذ الاصلاحات المطلوبة وتحقيق النمو الاقتصادي، بالاضافة إلى معالجة التعثر المالي والمديونية العامة. كما أشار البيان إلى أن الحكومة تسعى إلى إقامة دولة فاعلة في إدارتها العامة ومؤسساتها، وهو ما يستدعي إعادة هيكلة القطاع العام وفق رؤية حديثة تتماشى مع متطلبات المرحلة، بهدف تمكينه من استعادة دوره في تمويل الاقتصاد. وشدّدت الحكومة على أن حماية ودائع المواطنين تأتي في صدارة أولوياتها، من خلال وضع خطة شاملة تتماشى مع أفضل المعايير الدولية لضمان حقوق المودعين.
وكشف صندوق النقد الدولي عن استعداده لبدء مفاوضات مع الحكومة اللبنانية بشأن برنامج دعم جديد يهدف إلى مساعدة البلاد في تجاوز أزمتها الاقتصادية. جاء ذلك عقب اجتماع جمع الممثل المقيم لصندوق النقد الدولي، فريدريكو ليما، مع وزير المالية ياسين جابر. وأكد الصندوق أنه يتطلع إلى التعاون مع الرئيس والحكومة الجديدة لمواجهة التحديات الاقتصادية الكبيرة التي يعيشها لبنان، بما في ذلك مناقشة برنامج مساعدات جديد يمكن أن يساهم في استعادة قدرة البلاد على سداد الديون. بدورها، أوضحت وزارة المالية في بيان أن الوزير جابر شدد خلال اللقاء على أن الحكومة ووزارة المالية تعطيان أولوية قصوى للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، إدراكاً منهما لأهمية دور الصندوق في مسار الإصلاح، ولتحفيز المجتمع الدولي على مساعدة لبنان في هذا المجال.
إعادة الإعمار أولاً
وفقاً لتقديرات “جي بي مورغان”، من المتوقع أن يستند أي اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي إلى تفاهم عام 2022. وعلى الرغم من عدم قدرة السلطات اللبنانية على تنفيذ تلك البنود، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية التي تستدعي تحديث خطة الإصلاح، تشير التوقعات إلى أن اتفاق صندوق النقد الدولي لعام 2022 سيظل ركيزة أساسية لأي اتفاق جديد بين لبنان والصندوق. شملت الاصلاحات آنذاك إعادة هيكلة القطاع المالي، الاصلاحات المالية، إعادة هيكلة الديون الخارجية، إصلاح المؤسسات العامة (خصوصاً في قطاع الطاقة)، وأطر مكافحة الفساد وغسل الأموال، بالاضافة إلى إنشاء نظام صرف ثابت وموثوق. ومع بقاء معظم القضايا من دون معالجة، سلّط صندوق النقد الدولي الضوء على الخطوات الايجابية التي تم اتخاذها في ما يتعلق بالتمويل النقدي وسعر الصرف، إلا أن التحديات الكبيرة لا تزال قائمة، إذ تفاقمت الأوضاع في جوانب أخرى بسبب الحرب وتداعيات الصراع في غزة. كما قد يشكل إدراج لبنان في القائمة الرمادية من مجموعة العمل المالي (FATF) في تشرين الأول 2024 عقبات إضافية من حيث السمعة وزيادة تكاليف المعاملات بالنسبة الى تدفقات رأس المال.
ومن المتوقع أن تبدأ خطة الإصلاح بإعادة الاعمار أولاً، بحيث تسببت الحرب في الشرق الأوسط في أضرار غير مسبوقة للاقتصاد، مع نزوح نسبة كبيرة من السكان وتدمير البنى التحتية. وبالتالي، ستكون خطة العمل الأولى هي إعادة الاعمار بدعم دولي. وبعد ذلك، من المرجح أن توجّه السلطات تركيزها نحو إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلة سندات “اليوروبوندز”، أي معالجة الأزمة الاقتصادية التي سبقت الحرب. وفي هذا السياق، سيكون إصلاح القطاع المصرفي وتحقيق الاستقرار للمودعين من أولويات خطة الاغاثة، بحيث يأتي التوقيت على حساب إعادة هيكلة “اليوروبوندز”.
آفاق الإصلاح
وفي هذا الاطار، أصدر بنك أميركا تقريراً حديثاً عن لبنان تحت عنوان “الحكومة الجديدة تحمل آفاق الاصلاح”، ويشير إلى أن الحكومة المتماسكة والتكنوقراطية برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام توفر آفاقاً إيجابية للإصلاح. تعكس هذه الحكومة تصوّراً جديداً للواقع السياسي في البلاد، إذ تضم تكنوقراط مستقلين ذوي مؤهلات قوية في الوزارات الرئيسية، ما يعزز التوقعات بقدرتها على قيادة الاصلاحات الضرورية. وبحسب التقرير، يُتوقع أن تمنح الأسواق الحكومة فرصة لإثبات نفسها في الفترة المقبلة.
من جانب آخر، يشير التقرير إلى أن النهج التدريجي في تشكيل الحكومة، بدلاً من النهج التصادمي، قد تم تنسيقه بعناية للحفاظ على التماسك الاجتماعي وتقليل خطر الضغط الشعبي. هذا النهج يسهم في تهدئة التوترات الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي، ما يهيئ البيئة المناسبة للإصلاحات المنتظرة.
وفي ما يتعلق بالاصلاحات الاقتصادية، وبناءً على اقتراح من وزارة المالية، من المقرر تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان بموجب مرسوم حكومي، كما سيتم تعيين مجلس إدارة كامل للمصرف بحلول منتصف تموز 2025. من شأن هذه الخطوة أن تفتح الباب أمام تعيين حاكم مستقل، ما يمكّن الحكومة من تجاوز البرلمان في عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وعلى الرغم من أن قرار منع الحكومة من المساس بودائع العملات الأجنبية في مصرف لبنان قد يبدو متعارضاً مع شروط صندوق النقد الدولي، إلا أن تأثيره سيكون محدوداً، سواء أقر البرلمان قانوناً مصرفياً جديداً أو اتخذت الحكومة خطوات بديلة لتنفيذ الاصلاحات المطلوبة.
لبنان بين 3 سيناريوهات
وضمن هذا الاطار، عرض بنك أميركا ثلاثة سيناريوهات محتملة للمستقبل. السيناريو الأول يتمثّل في استمرار الوضع الراهن حتى انتخابات أيار 2026، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده بالنظر إلى البرلمان المعلّق حالياً والقوة الضمنية التي يتمتع بها بعض الأطراف في ممارسة الفيتو. السيناريو الثاني يظهر في التقدم نحو برنامج غير تقليدي مدعوم من المجتمع الدولي، وهو خيار أقل تفضيلاً لحملة السندات مقارنة ببرنامج صندوق النقد الدولي التقليدي، بحيث من المتوقع أن تتحمل الدولة التزامات كبيرة ناتجة عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي. ومع ذلك، قد يضطر صندوق النقد إلى التوصل إلى تسوية والمضي قدماً في هذا البرنامج إذا توافر الدعم السياسي الدولي، الذي يعتمد بدوره على تنفيذ الحكومة للتوازن السياسي بعد حرب أيلول.
أما السيناريو الثالث، فيتمثل في التقدم نحو برنامج تقليدي مع دعم قوي من المجتمع الدولي، وهو أمر قد يتحقق إذا نجح التكنوقراط في إقناع الطبقة السياسية الأوسع بأنهم وحدهم القادرون على تحمل مسؤولية اتخاذ القرارات الاقتصادية غير الشعبية. وفي هذا السياق، قد يشكّل التقدم السريع في عملية إعادة الاعمار مقارنة بالسيناريوهات الأخرى دافعاً لـ “حزب الله” وحلفائه لتسهيل الوصول إلى هذه النتيجة.
ويرى بنك أميركا أن أي خيارات اقتصادية إيجابية من المحتمل أن تُوجه نحو المودعين بدلاً من حملة السندات في سيناريو اتفاق إعادة الهيكلة. وهذا يشير إلى أن أي صفقة إعادة هيكلة محتملة مع حملة السندات قد تركز على أداة مالية بسيطة قد تسمح للسندات الأوروبية بالانتعاش.
إرادة التغيير
يقف لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية لتحقيق التعافي والاستقرار، تتطلّب تنفيذ سلسلة من الاصلاحات الجذرية بقيادة العهد والحكومة الجديدة، وأهمها إعادة الاعمار، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي للوصول إلى الاستقرار المالي والنقدي. وعلى الرغم من الدعم العربي والدولي المرتقب، فإن نجاح لبنان في تجاوز أزمته يظل رهناً بإرادة داخلية حقيقية للتغيير تنبع من الأطراف السياسية كافة.
وبالتالي، فإن تنفيذ هذه الاصلاحات بكفاءة وشفافية يمثل السبيل الوحيد لاستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني، وبناء دولة قوية وقادرة على تلبية احتياجات شعبها وتحقيق استقرار طويل الأمد.


