الحجر الأساس لدولة القانون والمؤسسات هو القضاء العادل والمستقل، ولعل هذا هو السبب الذي حال دون وصول لبنان إلى عتبة دولة الحق، لأن السياسة تتدخل في القضاء، والعديد من القضاة مستزلم عند الأحزاب السياسية، بل ينفذ أجندات الزعماء في أروقة العدلية، وفي الكثير من الأحيان يكون هؤلاء السلاح الذي تستعمله القوى السياسية ضد بعضها البعض.
بين التجاذبات السياسية والتكتلات القضائية
طُرحت مشاريع عديدة لاستقلالية القضاء، إلا أنها وقعت بين نارين: نار التجاذبات السياسية ونار تحويل القضاة إلى كتل انتخابية، كما يصف مرجع قضائي أحد المشاريع المطروحة. وبقي وضع القضاء على حاله، تكتلات قضائية تابعة للسياسيين، وبعض القضاة الذي يسعى إلى أن يصبح تكتلاً انتخابياً بنفسه، راكباً موجة الاعتراضات الشعبية منذ العام 2019، متأملاً في العهد الجديد، الذي أتى من خارج القوى السياسية التقليدية.
يخضع القضاء اللبناني لنظام سياسي طائفي يفرض توازنات معينة في تعيين القضاة وترقياتهم، ما يجعله ساحة لتجاذبات سياسية مستمرة. فالتشكيلات القضائية، التي يُفترض أن تكون دورية ومنتظمة، تتحول إلى معركة بين القوى السياسية. على سبيل المثال، منذ العام 2020، ظلّت التشكيلات القضائية التي اقترحها مجلس القضاء الأعلى معطلة بسبب رفض رئيس الجمهورية السابق ميشال عون توقيعها، لأنها لم تتناسب مع حسابات تياره السياسي.
على الرغم من وجود قضاة نزيهين يسعون إلى تطبيق القانون بعدالة، فإن بعضهم يخضع لضغوط أو حتى يغرق في مستنقع الفساد، ما يضعف ثقة المواطنين بالقضاء.
في السنوات العشر الأخيرة، حصلت محاولة لتفعيل التفتيش والرقابة القضائية، لكنها اصطدمت بالطائفية والسياسة، فغابت المعايير، وحال تدخل بعض رؤساء الجمهورية دون معاقبة المخطئين. حتى إن رؤساء حكومات وضعوا فيتو على صرف أي قاضٍ من الطائفة، في حين أُبعد قاضٍ نزيه لأسباب سياسية، وفُرض على عدة قضاة الاستقالة من تلقاء أنفسهم حرصاً على ماء وجه أوليائهم، كما تجمّدت ملفات في أدراج العدلية وخزائنها، وكانت الخلاصة أن الاصلاح بحاجة إلى إصلاح.
ويرى بعض القضاة أن حتى حركة “نادي قضاة لبنان”، التي كان يُعوّل عليها، غلبت عليها الاستعراضات وغابت الفاعلية بسبب تجاذبات قضائية داخلية وقلة الخبرة لدى النادي، عدا عن تشكيك البعض في مواقفه المخالفة لمبدأ التحفظ، الذي يجب أن يتمتع به القاضي وفقاً للنص القانوني.
أزمة القضاء في ظل الانهيار المالي
مع الانهيار المالي منذ العام 2019، بات القضاء اللبناني يعاني من مشكلات لوجيستية حادة، أبرزها:
– هجرة القضاة: بسبب تدني الرواتب التي فقدت أكثر من 95% من قيمتها نتيجة انهيار الليرة، اضطر العديد من القضاة إلى تقديم استقالاته أو حتى الهجرة إلى الخارج بحثاً عن فرص أفضل.
– إضرابات متكررة: منذ العام 2022، نفّذ القضاة عدة إضرابات للمطالبة بتحسين أوضاعهم، لكن الحكومة لم تتجاوب مع معظم مطالبهم.
– البطء في إصدار الأحكام: أدى الوضع المالي إلى نقص حاد في الموارد، ما جعل المحاكم تعاني من تراكم القضايا وتأخر البت فيها لسنوات.
مشروع استقلال القضاء: بين التأييد والرفض
طرحت جهات حقوقية، على رأسها “نادي القضاة”، مشروع قانون يهدف إلى تحرير القضاء من الهيمنة السياسية، ويتضمن:
– إقرار مجلس قضائي مستقل يتولى التعيينات والترقيات بعيداً من السلطة التنفيذية.
– منع نقل القضاة تعسفياً استجابةً لضغوط سياسية أو انتقاماً من قراراتهم.
– تعزيز الشفافية والمحاسبة من خلال آليات رقابة صارمة على أداء القضاة.
– ضمان ميزانية مستقلة للقضاء كي لا يبقى رهينة لقرارات الحكومة السياسية والمالية.
واعتبرت مرجعية قضائية في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن هذا القانون “يضرب التوازن، ويجعل القضاة حملات انتخابية متتالية تسعى الى الحصول على رضا القضاة الأصغر منهم كي يتم انتخابهم، وتتحول تبعية القضاء من السياسة إلى تبعية كل قاضٍ لمرجعية قضائية معينة. ومن قال إن التبعية القضائية أهون من التبعية السياسية؟ حيث يصبح كل قاضٍ زعيماً على قضاة تابعين له، وتتحول السلطة القضائية إلى مجموعة نقابات، بحيث يكون كل قاضٍ في مجلس القضاء الأعلى بمثابة نقيب على القضاة الذين انتخبوه”.
في المقابل، يرى مؤيدو المشروع أنه تتم عرقلته لأن الطبقة السياسية ترفض التخلي عن نفوذها على القضاء، لأن ذلك قد يؤدي إلى فتح ملفات الفساد التي تورط فيها مسؤولون كبار، بالاضافة إلى فقدانها قدرة تعطيل التشكيلات القضائية التي تستعملها كأداة للضغط السياسي، بحيث يُستخدم القضاء كسلاح في الصراعات بين الأحزاب بدلاً من أن يكون سلطة مستقلة، وبالطبع يخشى بعض الأطراف فقدان “حصته” في القضاء إذا مُنح الاستقلالية الكاملة.
الاصلاح القضائي: بين الآمال والواقع
مع وصول رئيس جديد للجمهورية، تتجدد آمال اللبنانيين بإمكان تحقيق إصلاحات جدية، خصوصاً في القضاء، وهناك عوامل عدة تدعو إلى التفاؤل، بحيث يشترط صندوق النقد الدولي استقلالية القضاء كجزء من الاصلاحات المطلوبة لإقراض لبنان، كما يشدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة إعادة هيكلة القضاء كجزء من دعم لبنان.
وعلى الرغم من أهمية استقلال القضاء، لا يجب أن يتحول إلى مباراة للشعبوية، بحيث يصبح القضاة زعماء في العدلية، بل قد يحاولون فرض إملاءاتهم على السياسة، ما يضرب أصلاً مبدأ فصل السلطات، حيث يجب أن تكون كل سلطة مستقلة عن الأخرى. وحتى لو كانت هناك علاقة للسلطة السياسية بتعيين القضاة، فإن ذلك لا يعطيها سلطة عليهم.
على سبيل المثال، يرشح الرئيس الأميركي قضاة للمحكمة العليا في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ذلك، صدرت قرارات من قضاة رشحهم دونالد ترامب، مثل نيل غورساتش، وبريت كافانو، وإيمي كوني باريت، ضد مواقفه القانونية في قضايا محددة، مع أنهم، عموماً، يُعتبرون محافظين ويُحسبون على الاتجاه الذي يدعمه ترامب.
في معظم الدول، هناك نوع من التداخل السياسي في القضاء، إلا أن القاضي يُعيَّن وفق آلية محددة لا تجعله رهينة لمن يعيّنه، وفي الوقت نفسه، هناك حواجز تمنعه من استغلال سلطته القضائية لتحقيق مكاسب سياسية، لا سيما أن الهيكليات القضائية في الأنظمة الحديثة لا تعطي سلطة مطلقة لمركز معين، بل هناك مجالس رقابة حتى على الرقابة.


