الانتخابات البلدية… الاستحقاق المنتظر بين الضرورة والتحديات

محمد شمس الدين
الانتخابات البلدية

على أبواب استحقاق طال انتظاره، يقف لبنان أمام مفترق جديد. فبعد تأجيل ثلاث مرات، تعود الانتخابات البلدية والاختيارية إلى الواجهة، لا كحدث إداري روتيني، بل كمقياس لمدى قدرة العهد الجديد على فرض الاستقرار والالتزام بالمواعيد الدستورية. فهل ستكون هذه الانتخابات المحطة الأولى لاختبار جدية السلطة في إعادة تفعيل المؤسسات المحلية؟ وهل سيتمكن الرئيس جوزاف عون من إنجاز هذا الاستحقاق كجزء من مسار إصلاحي يطمئن اللبنانيين إلى مستقبل دولتهم؟

وزير الداخلية أحمد الحجار يؤكد أن الانتخابات ستُجرى في موعدها، وأن التحضيرات جارية لضمان تنظيمها على الرغم من التحديات. ولكن، هل تكفي الارادة السياسية لتجاوز العقبات المالية واللوجيستية، لا سيما في القرى المدمرة في الجنوب؟

في مكان آخر، يبرز “الثنائي الشيعي” في موقف مختلف، إذ تبدو بيئته السياسية والتنظيمية الأكثر ارتياحاً لخوض الانتخابات، لكن التساؤلات تتزايد: كيف سيتعامل مع الاستحقاق في ظل الأوضاع الأمنية في الجنوب؟ هل سيتمكن من الحفاظ على معادلاته المحلية وسط المتغيرات السياسية؟ وهل تشكل هذه الانتخابات اختباراً جديداً لمدى تماسكه الداخلي، خصوصاً مع حساسية التنافس العائلي في القرى والبلدات؟

بعد انتخاب الرئيس عون، بدا واضحاً أن إجراء الانتخابات البلدية سيكون من أولويات العهد الجديد، كخطوة ضرورية على طريق استعادة الثقة بالمؤسسات وتعزيز مبدأ تداول السلطة. وقد شدد رئيس الجمهورية على أن هذا الاستحقاق لا يقل أهمية عن بقية الاصلاحات المنتظرة، معتبراً أنه يشكل فرصة لاعادة هيكلة العمل البلدي في ظل أزمات متراكمة أنهكت المجالس المحلية، سواء بسبب الانهيار الاقتصادي أو غياب الخدمات.

في هذا السياق، أكد وزير الداخلية أن الانتخابات ستُجرى في موعدها المحدد قبل نهاية أيار المقبل، مشيراً إلى أن الوزارة ستتخذ كل التدابير اللازمة لتأمين مشاركة جميع المواطنين، حتى في المناطق المتضررة أو المحتلة. ومع ذلك، تبقى التحديات كبيرة، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين الاقتراع في القرى المدمرة على الشريط الحدودي، حيث يجري البحث في إمكان إنشاء مراكز انتخابية بديلة.

الثنائي الشيعي: بين الجهوزية والتحديات

وفي حين يبقى بعض القوى السياسية متوجساً حيال إمكان إجراء الانتخابات، يظهر “الثنائي الشيعي” أكثر استعداداً من غيره. فالمعطيات تشير إلى أن لا معارك كبرى في مناطق نفوذه، حيث سيتم اعتماد تفاهمات محلية لضمان استمرار السيطرة على المجالس البلدية. ولكن، هل تعني هذه الجهوزية غياب التحديات؟

الواقع يشير إلى أن الانتخابات البلدية تشكل دائماً اختباراً دقيقاً للثنائي، نظراً الى حساسيتها داخل البيئة الشيعية، حيث تلعب العائلات دوراً أساسياً في تشكيل اللوائح والائتلافات. وبينما يصر “الثنائي” على تجنب النزاعات الداخلية واعتماد مبدأ “صفر مشكلات”، يبقى التساؤل قائماً: هل سينجح في احتواء التنافس العائلي من دون أن يؤثر ذلك على استحقاقات لاحقة، مثل الانتخابات النيابية المنتظرة بعد عام؟

إلى جانب ذلك، يبرز التحدي الأكبر في الجنوب، حيث الاحتلال الاسرائيلي والدمار الواسع في بعض القرى. فكيف سيتمكن الثنائي من إدارة هذا الملف؟ هل سيقبل بإجراء الانتخابات في مراكز اقتراع خارج القرى المدمرة، أم سيضغط لتأجيل الانتخابات في هذه المناطق كما فعل العام الماضي؟

بين الضرورة والواقع السياسي

على الرغم من كل التحديات، تبقى الانتخابات البلدية محطة مفصلية للبنان، ليس لأنها استحقاق دستوري وحسب، بل لأنها تمثل فرصة لإعادة ترتيب المشهد المحلي، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي الذي أثر بصورة كبيرة على عمل البلديات. فهل ستنجح الحكومة الجديدة في الوفاء بالتزاماتها وإجراء الانتخابات في موعدها أم أن العراقيل الأمنية واللوجيستية ستؤدي إلى تأجيل جديد، في بلد اعتاد ترحيل الأزمات بدل حلّها؟

الأيام المقبلة ستحمل الاجابة، ولكن الأكيد أن هذا الاستحقاق سيشكل اختباراً حقيقياً لكل الأطراف، من السلطة السياسية إلى القوى الحزبية، وصولاً إلى المواطن اللبناني الذي يترقب بفارغ الصبر استعادة صوته في صناديق الاقتراع.

شارك المقال