بعد نيل الحكومة الثقة، تتجه الأنظار إلى ملف التعيينات، الذي لطالما شكّل مرآةً تعكس موازين القوى في البلاد، إذ لم تكن التعيينات مجرّد قرارات إدارية، بل مفاصل سياسية تحدد هوية المرحلة المقبلة. فمنذ الاستقلال، اعتمد لبنان نظاماً قائماً على توزيع المناصب وفق توازنات طائفية وسياسية دقيقة، بحيث شكلت التعيينات في القطاعات الأمنية والقضائية والادارية ساحة شدّ وجذب بين القوى المحلية والخارجية. واليوم، تتخذ التعيينات بعداً أكثر حساسية، لأنها تأتي في ظل ضغوط أميركية مباشرة لضمان تنفيذ القرارات الدولية، لا سيما القرار 1701 المتعلق بوقف إطلاق النار، ما يجعلها محط أنظار الداخل والخارج في آنٍ.
وبينما تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة بعض المراكز الادارية والأمنية، لا يبدو أن التعيينات ستتم وفق النهج التقليدي وحسب، بل تأتي في سياق إقليمي ودولي ضاغط يفرض أولويات جديدة، خصوصاً في ما يتعلق بضبط الحدود الجنوبية وتثبيت الالتزامات اللبنانية تجاه القرارات الدولية. في المقابل، تبقى القوى المحلية عالقة بين محاولات فرض معادلات داخلية جديدة، واستحقاقات خارجية لا يمكن تجاهلها، ما يجعل من هذه التعيينات معركة مفتوحة على كل الاحتمالات.
ووفق معلومات “لبنان الكبير” فإن هناك جواً إيجابياً واتفاقاً على التعيينات، اذ من المرجح أن يكون قائد الجيش المقبل هو العميد رودولف هيكل، ومرشد الحاج سليمان مديراً عاماً للأمن العام، فيما يطرح قائد الجيش العميد إدغار لاوندس.
التعيينات عبر التاريخ: من التوازنات إلى التدخلات
لم يكن ملف التعيينات في لبنان يوماً شأناً داخلياً بحتاً، بل ارتبط بصورة وثيقة بالتطورات السياسية الكبرى، من الحرب الأهلية إلى اتفاق الطائف وما تلاه. فمنذ الاستقلال عام 1943، قامت التعيينات على أسس طائفية غير معلنة، بحيث حُددت مواقع معينة لطوائف محددة ضمن التوازنات السياسية القائمة. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، تحولت التعيينات إلى أداة لتعزيز النفوذ العسكري والسياسي، إذ سيطرت الميليشيات على المؤسسات، واستحدثت مناصب وتوزعت وفقاً لمناطق السيطرة العسكرية.
مع انتهاء الحرب وإقرار اتفاق الطائف عام 1989، تكرّس توزيع المناصب وفق الطوائف، بحيث احتفظ الموارنة بقيادة الجيش، والسنة بقيادة قوى الأمن الداخلي، والشيعة بالمديرية العامة للأمن العام، والكاثوليك بمديرية أمن الدولة. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن ضرورة إلغاء الطائفية السياسية، بقي هذا التوزيع قائماً، ما جعل التعيينات محكومة دائماً بالتفاهمات السياسية، التي تتأثر بدورها بالعوامل الخارجية.
خلال الوصاية السورية على لبنان (1990-2005)، كانت التعيينات تتم وفق توازنات ترعاها دمشق، التي فرضت أسماء في المناصب الأمنية والعسكرية والقضائية لضمان الولاء الكامل لسياساتها. وبعد الانسحاب السوري عام 2005، دخلت التعيينات في مرحلة جديدة من التجاذبات الداخلية، إذ أصبح كل طرف سياسي يسعى إلى تحصين موقعه داخل المؤسسات، ما جعل كل تعيين يمر عبر معركة سياسية معقدة، أحياناً محلياً، وأحياناً أخرى بضغط خارجي، كما حدث خلال تعيينات حاكمية مصرف لبنان والقيادات الأمنية في السنوات الأخيرة.
واليوم، مع تصاعد الضغوط الأميركية والغربية، تعود التعيينات إلى الواجهة كأحد أبرز الملفات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، بحيث يسعى بعض القوى الدولية الى ضمان أن تكون الشخصيات الجديدة قادرة على تنفيذ القرارات الدولية ومواكبة التطورات الاقليمية، فيما تحاول القوى السياسية المحلية الاحتفاظ بنفوذها ضمن هذه المعادلة الجديدة.
التعيينات المرتقبة: تغييرات جذرية أم إعادة توزيع النفوذ؟
تتجه الحكومة إلى استكمال التعيينات في المؤسسات العسكرية والادارية، ولا تقتصر التعيينات على قيادة الجيش والأمن العام وحاكمية مصرف لبنان، الشاغرة فحسب، بل انها تنسحب على عدد من المراكز الأمنية والادارية، مثل تلك الفارغة في المجلس العسكري، التي تشمل المفتش العام، العضو المتفرغ، والمدير العام للإدارة، وهي مناصب تُعدّ حساسة في ضبط العمل العسكري.
ومن المتوقع أن يؤدي تعيين قائد جديد للجيش إلى تغييرات أخرى مثل تعيين مدير المخابرات، الذي عادة ما يقترحه قائد الجيش.
حاكمية مصرف لبنان، التي تُعدّ من أبرز التعيينات المالية، هناك عدة أسماء تتداولها الأوساط السياسية وفق معلومات “لبنان الكبير”، مثل الوزير السابق جهاد أزعور، والوزير السابق كميل أبو سليمان، إضافة إلى فراس أبي ناصيف، المدعوم من “كلنا إرادة” والذي يعمل في القطاع المالي في نيويورك.
أما على الصعيد القضائي، فيسعى رئيس الحكومة نواف سلام إلى تعيين أمين عام جديد لمجلس الوزراء، بدلاً من القاضي محمود مكية، فيما يتم التداول في أسماء مثل القاضية نازك الخطيب والقاضية نجاة عيتاني.
الضغوط الدولية والتوازنات الطائفية: هل يتغير النهج؟
على الرغم من كل التطورات، تبقى التعيينات خاضعة للعرف المتبع منذ التسعينيات، والذي يقضي بتوزيع المواقع الأمنية وفق الطوائف. ومع استمرار هذا التوزيع، تبدو التغييرات في الأسماء لا في الجوهر، إذ لا تزال آلية التعيينات محكومة بالاتفاقات السياسية والتدخلات الخارجية التي تحدد من سيشغل المناصب الكبرى.
إلى جانب ذلك، يبرز البعد الاقليمي في هذه التعيينات، بحيث تتزامن مع تحركات لإبرام اتفاقيات مشتركة مع الخليج والسعودية في قطاعات عدة، ما يجعل اختيار بعض الشخصيات مرهوناً بمدى قبوله في العواصم العربية والدولية. في المقابل، تتحدث مصادر عن وجود حملة تضليل إعلامية تقودها إحدى المرشحات لمنصب إداري بالتعاون مع سفير لبناني في الخارج، بهدف التأثير على سمعة شخصيات مرشحة لمناصب حساسة.
التمديد للقادة الأمنيين: هل يمنع التعيينات الجديدة؟
إحدى العقد الأساسية أمام التعيينات تتمثل في التمديد لعدد من القادة الأمنيين، بحيث سبق لمجلس النواب أن مدّد ولاياتهم مرتين، لا سيما لقائد الجيش العماد جوزاف عون، قبل انتخابه رئيساً للجمهورية، ما أدى إلى انتقال صلاحياته بالوكالة إلى رئيس الأركان اللواء حسان عودة. ومع ذلك، فإن تعيين قائد أصيل للجيش سيكون على رأس جدول أعمال الحكومة في أولى جلساتها بعد نيل الثقة.
وبحسب العارفين، فإن التمديد لا يمنع تعيينات جديدة، إذ إن القانون الذي صدر عن مجلس النواب لم يكن سوى خطوة لتلافي الشغور، وليس عائقاً أمام تغيير القادة الأمنيين بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء. وبالتالي، فإن الحكومة تمتلك الصلاحية الكاملة لاجراء تعيينات واسعة في مختلف الأجهزة.
بين الضغوط الخارجية والتوازنات الداخلية، يبقى ملف التعيينات استحقاقاً مفصلياً في تحديد مسار المرحلة المقبلة. فهل ستكون هذه التعيينات مدخلاً لإعادة هيكلة المؤسسات وفق رؤية إصلاحية، أم أنها مجرد إعادة توزيع للنفوذ في إطار التوازنات الداخلية والاقليمية؟


