وسط التحديات الاقتصادية والسياسية التي عصفت بلبنان في السنوات الأخيرة، يبرز العهد الجديد كفرصة ذهبية لإحياء الاقتصاد الوطني وإجراء الاصلاحات الجذرية التي طال انتظارها، والتي أصبح من غير المقبول تأجيلها أو المماطلة في تنفيذها. ومع انتخاب الرئيس جوزاف عون ومنح حكومة الرئيس نواف سلام ثقة البرلمان اللبناني، تشهد البلاد نقطة تحول حاسمة، بحيث تضع الحكومة نصب عينيها تسريع وتيرة تطبيق برنامج إصلاح اقتصادي شامل، استناداً إلى بيان وزاري واضح يرسم معالم المرحلة القادمة، ويُمهّد الطريق نحو استعادة الاستقرار وتحقيق النمو، باعتباره ضرورة ملحّة لضمان التعافي المستدام.
لبنان بين سيناريوهين
إذاً، يرتبط عهد الرئيسين عون وسلام ارتباطاً وثيقاً بالاصلاحات، بحيث يحظى إمكان تنفيذها بتوقعات كبيرة، ما يعزز الآمال في تحقيق تغييرات جوهرية وإيجابية على مختلف الأصعدة. وفي هذا الصدد، اعتبر معهد التمويل الدولي (IIF) أن لبنان لديه فرصة لإعادة إطلاق اقتصاده بعد انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة جديدة، عقب خمس سنوات من الركود السياسي والأزمة الاقتصادية. وأوضح المعهد أن الحكومة المقبلة تواجه تحديات عدة، أبرزها الإشراف على وقف إطلاق النار الهش وإعادة إعمار المناطق المتضررة من الدمار الهائل الذي خلفته الحرب مع إسرائيل، بالاضافة إلى تنفيذ الاصلاحات العاجلة لإنعاش الاقتصاد ومعالجة قضايا الحوكمة المستمرة.
وأضاف أن حل الأزمة الاقتصادية يتطلب تحولاً جذرياً في السياسات من خلال برنامج إصلاحات اقتصادي شامل يحظى بدعم محلي واسع النطاق ويضمن موافقة صندوق النقد الدولي (IMF)، بالاضافة إلى الحصول على دعم تمويل خارجي. وأكد المعهد أن نجاح خطة الاصلاحات المنتظرة يعتمد على سبع ركائز رئيسية، هي: تحقيق الاستقرار السياسي وتحسين الأوضاع الأمنية في البلاد؛ إصلاح النظام القضائي لضمان التنفيذ الفاعل لسيادة القانون وتطبيق إجراءات مكافحة الفساد؛ الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن؛ استعادة الثقة بالليرة اللبنانية؛ التحول نحو ضبط مالي قائم على الايرادات الضريبية لزيادة الفائض الأولي وتوفير حيز للنفقات ذات الأولوية؛ إعادة هيكلة النظام المصرفي واستعادة الوصول إلى معظم الودائع؛ وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي.
كما أشار إلى أن عملية إعادة الإعمار بعد الحرب يمكن تمويلها بصورة رئيسية من المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وقطر والكويت والاتحاد الأوروبي، شرط أن تبدأ السلطات بتنفيذ خطة الاصلاحات. إلا أنه لفت الانتباه إلى أن الحكومة الجديدة أمامها فترة زمنية قصيرة، نظراً الى تحديد موعد الانتخابات البرلمانية في أيار 2026، محذراً من أن الوضع الحالي في لبنان لا يزال غير مؤكد، مع احتمالية مواجهة الاصلاحات الهيكلية لسيناريوهين أساسين.
إصلاحات عميقة واعدة
في إطار السيناريو الأول، الذي أطلق عليه معهد التمويل الدولي “سيناريو الاصلاحات العميقة”، من المفترض أن تقدم المؤسسات متعددة الأطراف والجهات المانحة الرسمية مساعدات مالية للبنان بقيمة 12.5 مليار دولار، تتوزع على النحو التالي: 4.5 مليارات دولار من دول مجلس التعاون الخليجي، و3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، و3 مليارات دولار من البنك الدولي لتمويل مشاريع محددة، و2 مليار دولار من الدول الأوروبية الكبرى.
وأشار المعهد إلى أن لبنان يمكن أن يجذب استثمارات أجنبية مباشرة إضافية بقيمة 10 مليارات دولار من دول مجلس التعاون الخليجي خلال الفترة 2025-2029. وبناءً على هذه التقديرات، من المتوقع أن يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي للبنان 6.2 في المئة سنوياً في الفترة من 2025 إلى 2029، مدفوعاً بالاستثمار الأجنبي المباشر، والاستثمارات العامة، وصادرات السلع والخدمات، خصوصاً في قطاع السياحة.
علاوة على ذلك، لن يشكل نقص الائتمان المصرفي للقطاع الخاص عائقاً أمام الانتعاش الاقتصادي، كما أظهرت الحالات في اقتصادات أخرى تأثرت بالأزمات. وأضاف التقرير أن الاستهلاك الخاص في لبنان لا يعتمد بصورة كبيرة على الائتمان، وسيتم دعمه من خلال التدفقات الكبيرة المستمرة للتحويلات المالية وانتعاش النشاط السياحي. في الوقت نفسه، سيتم تحفيز انتعاش قطاع البناء من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر والقروض الأجنبية الميسرة المخصصة لمشاريع محددة.
وفي ظل هذا السيناريو، من المتوقع أن يصل حجم الاقتصاد اللبناني إلى ذروته قبل الأزمة، أي 53 مليار دولار، بحلول العام 2029. من جهة أخرى، قد يحقق الميزان الأولي للميزانية فائضاً بنسبة 2.5 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، في حين يُتوقع أن يسجل الميزان المالي الاجمالي فائضاً بنسبة 3.3 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي بحلول العام 2029. ويأتي ذلك بفضل الاجراءات الفاعلة في تقليل التهرب الضريبي، وتحسين تحصيل الضرائب من دون الحاجة إلى زيادة الضرائب، إضافة إلى النمو الاقتصادي القوي.
وسيسهم تنفيذ الاصلاحات المرتقبة في وضع مستوى الدين العام على مسار نزولي ثابت، مدفوعاً بإجراءات التعديل المالي، وإعادة هيكلة الديون، والنمو المستدام. كما من المرجح أن يتقلّص عجز الحساب الجاري على مدار الفترة المشمولة، بدعم من تعافي الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية والانتعاش الكبير في عائدات السياحة. في هذا السياق، قدّر التقرير احتمال حدوث هذا السيناريو بنسبة 50 في المئة، ما يعكس تفاؤلاً ملحوظاً بتحسن الوضع المالي والاقتصادي في لبنان.
تحديات الاصلاح المحدود
أما في إطار السيناريو الثاني أو “سيناريو الاصلاحات المحدودة”، الذي خصّص له احتمال بنسبة 50 في المئة، فقد قدر معهد التمويل الدولي أن السلطة التنفيذية قد تواجه تحديات كبيرة في تنفيذ وقف إطلاق النار، فضلاً عن صعوبة تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. وأشار إلى أن المصالح السياسية المتجذرة في البرلمان قد تستمر في معارضة الاصلاحات الاقتصادية الحاسمة. واعتبر أن من غير المرجح، في غياب تغييرات سياسية كبيرة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، أن تتمكن الحكومة الجديدة من تمرير إصلاحات وقوانين عميقة في البرلمان.
وأكد أن لبنان في ظل هذا الوضع، لن يستطيع التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن برنامج اقتصادي مدعوم من صندوق النقد الدولي، وأن الدعم المالي من المجتمع الدولي سيكون في الغالب في شكل مساعدات إنسانية، ولن يكون كافياً لتغطية حتى نصف التمويل اللازم لإعادة الإعمار. بناءً على ذلك، توقع أن يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي للبنان 3 في المئة في الفترة من 2025 إلى 2029، وأن يستأنف سعر الصرف في السوق انخفاضه، ما سيؤدي إلى تسارع التضخم مرة أخرى. كما توقع أن يظل عجز الحساب الجاري واسعاً عند نحو 10 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وأن تنخفض احتياطيات العملات الأجنبية تدريجياً من 10.1 مليارات دولار في نهاية العام 2024 إلى أقل بقليل من 7 مليارات دولار بحلول العام 2029.
الدعم المُرتقب
تعكس التطورات الأخيرة في لبنان بوادر أمل في بدء مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي. فقد تمكن الرئيس جوزاف عون ورئيس الوزراء نواف سلام من تشكيل حكومة تتمتع بمؤشرات إيجابية أولية تُظهر كفاءة وقدرة على مواجهة التحديات الراهنة. ومن المتوقع أن تتمكن الحكومة من جذب دعم مالي كبير من المجتمع الدولي والدول العربية، شريطة الالتزام بتنفيذ حزمة إصلاحات جوهرية، التي طالما كانت شرطاً أساسياً لتقديم أي دعم مالي. واليوم، يعوّل لبنان على هذا الدعم، خصوصاً العربي، ليس لإنقاذ الاقتصاد وتعزيز مؤشراته ومستوياته وحسب، بل أيضاً لإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة النطاق تتطلب استثمارات تتجاوز مليارات الدولارات.


