لطالما كان مفهوم الأمن الاسرائيلي ذريعةً رئيسيةً لكل عمليات التوسع والاستيطان، سواء في فلسطين أو في المناطق الحدودية مع لبنان وسوريا. فمنذ نشأة المشروع الصهيوني، لم يكن الأمن سوى غطاء لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، بما يخدم فكرة “إسرائيل الكبرى”، التي تمتد وفقاً للخطاب التوراتي من الفرات إلى النيل. اليوم، تعود هذه الأيديولوجيا إلى الواجهة من بوابة الفوضى الأمنية في سوريا ولبنان، لتؤكد أن الاستراتيجية الاسرائيلية قائمة على استغلال الأزمات الداخلية للدول المجاورة من أجل تحقيق مكاسب جيوسياسية دائمة.
أحداث جرمانا: الأمن بين الحقيقة والتوظيف السياسي
شهدت مدينة جرمانا، الواقعة في ريف دمشق، اضطرابات أمنية متسارعة خلال الأيام الماضية، على خلفية رفض متورطين في اغتيال أحد العاملين في وزارة الدفاع السورية تسليم أنفسهم. وأعلنت السلطات السورية، عبر مدير أمن المحافظة المقدم حسام طحان، عن بدء انتشار القوات الأمنية داخل المدينة لإنهاء حالة الفوضى وإزالة الحواجز غير الشرعية التي أقامتها مجموعات مسلحة تمارس عمليات الخطف والسطو المسلح.
وعلى الرغم من أن هذه الأحداث تبدو في ظاهرها قضية أمنية داخلية، فإن السياق الاقليمي المحيط بسوريا يفرض قراءة أوسع، تتجاوز البعد المحلي لتلامس الاستراتيجية الاسرائيلية الكبرى في المنطقة.
أوعز كل من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس الى الجيش الإسرائيلي بالاستعداد “لحماية” مدينة جرمانا السورية في جنوب دمشق، ذات الأغلبية الدرزية. وفي بيان مقتضب، أوضحت إسرائيل أنها “لن تسمح للنظام المتطرف الجديد في سوريا بإيذاء الدروز في ريف دمشق، وفي حال أذاهم ستؤذيه إسرائيل”.
تحاول إسرائيل تصوير تدخلها على أنه دفاع عن الأقليات، لكن المتابعين للمشهد يدركون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق كيانات طائفية على حدودها، ما يخدم مشروع “إسرائيل الكبرى” الذي تمتد حدوده من الفرات إلى النيل. وقد سبق للكيان الصهيوني أن استخدم مثل هذه السياسات في محاولاته السابقة لخلق “دولة درزية” بعد نكسة 1967، إلا أن هذه المخططات فشلت بسبب الرفض الشعبي الدرزي لمثل هذه المشاريع.
إسرائيل الكبرى: من “استيقظ أيها الشمال” إلى استثمار الفوضى
تكشف التقارير المتزايدة عن تحركات الحركات الاستيطانية الاسرائيلية مثل “أوري تسافون” عن مخططات لفرض واقع جديد على الأرض، عبر استيطان الجنوب اللبناني والسعي إلى التوسع داخل الأراضي السورية. هذه الحركة، التي بدأت من مجتمع افتراضي صغير، نجحت في استقطاب آلاف الأعضاء وتحويل أفكارها التوسعية إلى مطالب جماهيرية داخل إسرائيل، بما يعكس تحولاً خطيراً في المزاج العام نحو إعادة إحياء مشروع “إسرائيل الكبرى”.
إحدى أبرز استراتيجيات إسرائيل في تحقيق هذا الهدف تتمثل في استغلال الثغرات الأمنية داخل الدول المجاورة، وهو ما نراه اليوم في سوريا، حيث تبرر إسرائيل تدخلاتها الأمنية والعسكرية بوجود “تهديدات”، لكن الحقيقة أن إسرائيل تستخدم الفوضى في سوريا لتثبيت وجودها العسكري والاستيطاني في الجولان ومحيطه، وتحويل احتلالها لمناطق جديدة إلى أمر واقع، تماماً كما فعلت في الضفة الغربية خلال العقود الماضية.
جنبلاط يستشعر الخطر
وقد استشعر هذا الخطر الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، الذي أكد أنّه سيذهب إلى دمشق لتأكيد مرجعيّة الشام. وقال خلال لقاء في دار الطائفة الدرزية: “الصهيونية تستخدم الدروز جنوداً وضباطاً لقمع الشعب الفلسطيني في غزّة والضفة الغربية، واليوم يريدون الانقضاض على جبل العرب”.
واعتبر أن “هناك من يريد جرّ بعض ضعفاء النفوس إلى حرب أهلية لا أدري كيف ستنتهي”، مشدداً على أن “شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في فلسطين المحتلة الشيخ موفّق طريف لا يمثّلنا”. وأضاف: “إذا ما قارنا المرحلة الحالية بمراحل سابقة من احتلال إسرائيلي لبيروت وغيره من المحطات، أكاد أقول إنها أخطر بكثير مما مررنا فيه”.
المعادلة الدولية والتواطؤ الصامت
ما يزيد من خطورة الوضع هو الدعم الأميركي الواضح للتوجهات الاسرائيلية، كما كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما تحدث عن تحويل قطاع غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، وهو تصريح يعكس بوضوح ذهنية الاستعمار الجديد، بحيث تُختزل حقوق الشعوب وأوطانها إلى مشاريع استثمارية تخدم مصالح القوى الكبرى.
كما أن التصريحات الاسرائيلية المتكررة عن “ضرورة تغيير العقيدة الأمنية” بعد “7 تشرين الأول”، والتي دعا فيها محللون إسرائيليون إلى اعتماد استراتيجية “التدمير الشامل” لكل من يقف في وجه إسرائيل، تعني أن الاحتلال الاسرائيلي يتجه نحو مزيد من العدوانية، مستغلاً الانشغال الدولي بقضايا أخرى مثل الحرب في أوكرانيا وتغير السياسات الأميركية الداخلية.
المخاطر المستقبلية وضرورة المواجهة
إن استمرار التدخل الاسرائيلي في الجنوب السوري ومحاولات استغلال الورقة الطائفية قد يؤدي إلى نتائج كارثية، ليس على وحدة سوريا وحسب، ولكن على استقرار المنطقة بأسرها. كما أن صمت الادارة السورية قد يُشجع إسرائيل على المضي قدماً في تنفيذ مخططاتها التوسعية. وبالتالي، فإن التصدي لهذه المخططات يتطلب موقفاً عربياً موحداً يرفض تقسيم المنطقة ويدعم وحدة الأراضي السورية.
تركيا وصراع المصالح: هل تقبل بالأمر الواقع؟
وبينما تمرّ سوريا بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد، وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية خانقة، تواصل إسرائيل استغلال هذا الوضع لترسيخ واقع جديد يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم حول موقف تركيا، صاحبة النفوذ الأكبر حالياً في سوريا. فهل يمكن لأنقرة، التي تسعى الى الحفاظ على مصالحها في سوريا، أن تغض الطرف عن هذا التمدد الاسرائيلي طالما أنه لا يمسّ جوهر نفوذها، أم أن تطورات المرحلة المقبلة ستدفعها إلى موقف أكثر وضوحاً تجاه التحركات الاسرائيلية، خصوصاً إذا ما بدا أن إعادة تشكيل المشهد السوري تتم بمعزل عن حساباتها؟
ما يحدث في جرمانا ليس مجرد حادثة معزولة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تسعى إسرائيل من خلالها إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط لصالحها. وعلى الرغم من المحاولات الاسرائيلية لاستغلال الظروف الداخلية في سوريا، فإن التاريخ يؤكد أن مثل هذه المشاريع لن يُكتب لها النجاح، طالما بقي هناك وعي عربي وإرادة سياسية قادرة على مواجهة المخططات الصهيونية.


