خطا “لبنان الجديد” الذي بدأ بالتشكّل منذ 9 كانون الثاني، خطوات متقدمة نحو إستعادة موقعه وهويته العربيين، من خلال الزيارة البالغة الأهمية والدلالات التي قام بها رئيس الجمورية جوزاف عون، في أول تحرك خارجي له، الى المملكة العربية السعودية قبل إنتقاله الى القاهرة، ممثلاً لبنان في القمة العربية، حيث ألقى خطاباً جاء مشبعاً بلغة غير مسبوقة لرئيس جمهورية منذ أعوام طويلة في مضمونه اللبناني “السيادي”، موصولاً بتكريس إنتماء لبنان الى العالم العربي ومنظومته السياسية الجامعة، وذلك عشية مرور شهرين على انتخابه رئيساً للجمهورية وما تلاه من تكليف القاضي نواف سلام تشكيل حكومة وُلدت في 8 بشباط الماضي، مسجلاً موقفاً لافتاً في قمة القاهرة، إذ أعلن أن “لبنان يعود اليوم إلى العرب، وهو ينتظر عودة جميع العرب إليه”، مؤكداً أنه “لن يكون مستباحاً لحروب الآخرين”، وبدا واضحاً أن عون ترك الرسالة الأبلغ بأن لبنان عاد إلى الحضن العربي من البوابة العريضة، خصوصاً وأنه يحرص في كل مناسبة على خطاب متوازن، يجمع بين حقّ لبنان في استعادة كل أرضه التي يحتلها الاسرائيليون وإعادة الإعمار وحصرية سلطة الدولة.
زيارة عون الى الرياض، عكست توجهاً سعودياً واضحاً لاعادة ترميم العلاقة مع لبنان، والتأكيد أنه عضو أصيل في المنظومة العربية، من خلال التشديد على أهمية تنسيق المواقف تجاه القضايا الاقليمية والدولية، ما يؤشر إلى نية السعودية إعادة لبنان إلى دائرة التأثير العربي. فالقمة اللبنانية – السعودية أعادت تفعيل العلاقات بين بيروت والرياض، وحمل البيان المشترك الصادر عن الزيارة دلالات واضحة حول مستقبل العلاقات اللبنانية – السعودية، ورؤية المملكة لدعم لبنان في المرحلة المقبلة. كما حمل موقفاً واضحاً حول السيادة اللبنانية، اذ شدد على ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها، وضرورة انسحاب جيش الاحتلال الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية كافة، وهذا موقف يعكس إستمرار التزام المملكة بدعم السيادة اللبنانية في المحافل الدولية، ولكن في الوقت عينه قد يكون ذلك، رسالة مزدوجة تعني أن مواجهة الاحتلال يجب أن تكون تحت راية الدولة اللبنانية، وليس عبر “أجندات خارجية”. وهذا الموقف ليس جديداً، لكنه اكتسب أهمية إضافية كونه جاء في سياق دعم الجيش اللبناني، الذي تم التأكيد على دوره الوطني وأهمية تعزيز قدراته.
هذا على صعيد زيارة السعودية، أما في ما خص مشاركة عون في القمة العربية التي إستضافتها مصر، فقد كان لبنان حاضراً في مباحثاتها وبيانها الختامي، ما يترجم الموقف السعودي تجاه لبنان موقفاً عربياً جامعاً، بحيث أكد البيان الختامي لقمة القاهرة على “ضرورة تطبيق اتفاق وقف النار في لبنان، بجميع بنوده والالتزام بقرار مجلس الامن رقم 1701، وادانة الخروق الاسرائيلية لهما، ومطالبة اسرائيل بالانسحاب الكامل من لبنان الى الحدود المعترف بها دولياً، وبتسليم الأسرى المعتقلين في الحرب الاخيرة، والعودة الى الالتزام بمندرجات اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل لعام 1949، والوقوف مع الجمهورية اللبنانية وأمنها واستقرارها وسيادتها”.
وإذا ما أضيف الشق اللبناني من البيان الختامي لقمة القاهرة الى البيان اللبناني السعودي المشترك، فإن ذلك يؤكد أن الرئيس جوزاف عون من موقعه كرئيس للجمهورية وما يحظى به من دعم داخلي وخارجي، قد كرّس إنتماء لبنان العربي، وفي المقابل حصل على وعود جدية بدعم لبنان ومساعدته على معافاته من كل أزماته، لكن الدعم العربي للبنان على الصعد كافة، مرهون بتنفيذ الاصلاحات المطلوبة دولياً وعربياً، ما يضعه أمام اختبار حقيقي في التزامه بإعادة التوازن إلى علاقاته العربية من جهة، وتطبيق الاصلاحات التي طال انتظارها من جهة ثانية.


