البلاستيك تهديد بيئي خطير… هل نعود الى أسلوب حياة أجدادنا؟

تالا الحريري

تعتبر مشكلة تلوث البلاستيك واحدة من أبرز التحديات البيئية التي تواجه العالم اليوم، فالمخلفات البلاستيكية أصبحت تتزايد بصورة كبيرة في كل زاوية من زوايا الحياة اليومية. في لبنان، كما في العديد من الدول الأخرى، تؤثر هذه الظاهرة بصورة ملحوظة على البيئة والتنوع البيولوجي، بعدما أصبحت البلاستيكات جزءاً لا يتجزأ من المناظر الطبيعية، حيث تتراكم في الشوارع، وعلى الشواطئ، وفي المسطحات المائية، ما يهدد الحياة البحرية والكائنات الحية التي تعتمد على هذه البيئات.

تتسبب المواد البلاستيكية في تدمير المواطن الطبيعية، حيث تتعثر الحيوانات في المخلفات أو تبتلعها، ما يعرض حياتها للخطر. كما أن التحلل البطيء للبلاستيك يؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية، الأمر الذي يؤثر على صحة الانسان والنباتات.

في هذا السياق، أشار الصحافي والباحث البيئي منير قبلان لـ “لبنان الكبير” الى أنّ “كوكب الأرض أصبح يواجه أزمة بيئية خطيرة تتمثل في تزايد كميات البلاستيك الملقاة في الطبيعة. في القرن الحادي والعشرين، زاد التركيز على صناعة البلاستيك بصورة ملحوظة، ما أدى إلى تراجع استخدام المواد الصديقة للبيئة مثل الزجاج والورق والكرتون. فقد أصبح البلاستيك جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية، ما ساهم في تفاقم هذه الأزمة البيئية”.

وأوضح أنّ “المشكلة الرئيسية تتمثل في أن البلاستيك يحتاج إلى مئات السنين ليتفكك ويتحلل. وإذا حدث التحلل، فإنه يتحول إلى جزيئات صغيرة تُعرف بالبلاستيك المجهري، والتي تشكل خطراً أكبر على البيئة. وجود البلاستيك في التربة والمياه يهدد جميع الكائنات الحية، إذ يمكن أن يتسبب في تلوث السلسلة الغذائية”.

تشير الدراسات إلى أن البلاستيك لم يعد يقتصر على الأحجام الكبيرة، بل أصبح يغزو البحار والمحيطات، اذ يتم طمره في الأرض أو رميه في الأنهار، ما يؤدي إلى وصوله إلى البحار. كما أن البلاستيك المستخدم في صناعة المنسوجات يشكل تهديداً إضافياً، بحيث يتم تحويله إلى خيوط بلاستيكية، وعند غسل الملابس، تطلق جزيئات بلاستيكية مجهرية في المياه.

وتشير الأبحاث التي أجريت في الولايات المتحدة إلى أن 99% من المخلوقات البحرية تحمل جزيئات بلاستيكية في أجسامها أو عليها. وعندما يستهلك الانسان هذه المخلوقات، فإن البلاستيك يدخل إلى جسده، ويمكن أن يتسرب إلى الدورة الدموية ويسبب مشكلات صحية خطيرة، بما في ذلك السرطان.

وأكد قبلان ضرورة “اتخاذ إجراءات عالمية للحد من استخدام البلاستيك، والتركيز على تقليل استهلاكه واستعمال الأنواع القابلة لاعادة التدوير”، معتبراً أنه “ينبغي علينا تجنب الأكياس البلاستيكية واستخدام الأكياس الورقية أو القماشية بدلاً منها، كما يجب إعادة استخدام الزجاجات البلاستيكية. عند الذهاب إلى السوبرماركت، يجب تجنب تغليف المنتجات بصورة مفرطة، بحيث تُستخدم كميات كبيرة من البلاستيك في التعبئة، ما يؤدي إلى تدهور البيئة. وينبغي علينا إعادة التفكير في كيفية استخدامنا للمواد البلاستيكية، ومن الضروري أن نبدأ من منازلنا بفرز النفايات بصورة صحيحة”.

وبالنسبة الى التلوث، شدد على أن “المواد البلاستيكية لا تتحلل في التربة أبداً، بل تحتاج إلى مئات السنين. وعندما تبدأ هذه المواد بالتفكك، تتحول إلى مواد سامة تؤثر سلباً على خصوبة التربة. بالاضافة إلى ذلك، فإن التلوث يمتد إلى المياه والبحار، حيث تتأثر الأسماك والمخلوقات البحرية بالطريقة نفسها التي تحدثنا عنها. هذه المواد البلاستيكية الصغيرة تتطاير في الهواء، ما يزيد من انتشارها”.

كل هذه العوامل تنعكس على صحة الانسان، إذ إننا نزرع في التربة الملوثة بهذه الجزيئات البلاستيكية، ما يقلل من خصوبة التربة ويؤثر على الحيوانات البحرية والمخلوقات التي نتناولها. لذا، فإن جميع هذه العوامل تؤثر بصورة مباشرة على صحة الانسان وجودته، بحسب قبلان الذي ذكر بأن وزارة البيئة السابقة وضعت خطة شاملة بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية.

وقال: “هذه الخطة تُعتبر مهمة للغاية، بحيث تم تطبيق جزء منها، إلا أن الجزء الأكبر لم يُنفذ بعد، ما يُظهر الحاجة الماسة الى تفعيل إدارة عملية التدوير، الذي ينبغي أن تبدأ من المنازل والمؤسسات. وشملت هذه الخطة أيضاً مراقبة المنتجات منذ لحظة استيرادها، بحيث تم فرض رسوم عليها بهدف تعزيز عملية إعادة تدويرها. كما تقتضي الخطة مراقبة مياه الشرب بدءاً من لحظة تصنيعها وحتى وصولها إلى المستهلك”.

وتتطلب الأمور أيضاً مراقبة النفايات، بحيث يجب أن نعرف كيف يتم التعامل مع كل منتج، وما إذا كان ينتهي به المطاف في مركز إعادة التدوير لاستخدامه مرة أخرى، أو إذا كان يُلقى في المكب أو يُرمى في البحر. لذا، هناك ضرورة لمراقبة هذه المنتجات، مع الأخذ في الاعتبار تكلفة إعادة تدويرها، وفق قبلان الذي شدد على وجوب “أن نكون واعين لكلفة إعادة التدوير، بحيث لا يمكن أن نستورد منتجاً من دون أن نلاحظ أنه يحتاج إلى عملية تدوير. لذلك، يجب أن تُحمّل كلفة إعادة تدوير المنتج على المصنع الذي ينتجه، حتى تتمكن الشركات من الافادة من هذه العملية”.

واستذكر كيف كان أجدادنا يعيدون استخدام هذه الزجاجات بدلاً من التخلص منها. وفي الحقيقة، كانت حياتهم تتسم بالاهتمام بالبيئة، بحيث كانوا عندما ينتهون من استخدام “مرطبانات” الزجاج التي تحتوي على المايونيز أو الصلصة، يغسلونها ويجففونها ثم يستخدمونها لتخزين الشاي والقهوة، موضحاً أن “حياتنا كانت تتسم بإعادة التدوير، ولكن للأسف، انصرفنا الآن نحو الكماليات والاستهلاك المفرط، وبدأنا بالتخلص من كل شيء بسهولة. لذلك، نحن بحاجة للعودة إلى أسلوب حياة أجدادنا من خلال إعادة استخدام كل شيء، وهذا سيساعدنا على أن نكون أصدقاء للبيئة”.

وعلى سبيل المثال، يمكننا حمل زجاجات ماء أو زجاجات الألمنيوم، واستخدامها مراراً وتكراراً بدلاً من شراء زجاجات جديدة كل مرة، ما سيكون له فائدة اقتصادية. ومن الضروري أيضاً أن نقوم بفرز المواد في منازلنا، وفصل النفايات العضوية عن البلاستيك والزجاج والكرتون، لأن هذا الأمر مهم جداً. يمكننا البدء من بيوتنا، حيث أن المواد العضوية هي الأكثر تسبباً في الروائح الكريهة والتلوث. ويمكننا وضع بقايا الطعام والفواكه والخضار في حاوية صغيرة، وإخراجها يومياً. وإذا كانت لدينا حديقة، يمكننا دفنها فيها، ما سيساهم في تحسين التربة، بحسب ما أكد قبلان، مشيراً الى أن “هناك العديد من المبادرات مثل إدارة نفايات لبنان والجمعيات التي تستقبل النفايات، بحيث يمكن فرز البلاستيك والكرتون والتنك وإرسالها إلى مراكز المعالجة. وبدلاً من التخلص من هذه النفايات، يمكنك فرزها بصورة صحيحة، وستحصل على مكافآت مالية مقابل ذلك. هناك مشاريع مهمة تعمل على تعزيز هذه المبادرات في العديد من المناطق اللبنانية، ولكن المطلوب من الدولة وضع خطة وطنية شاملة للتعامل مع مشكلة النفايات. من الضروري أن تكون هناك خطة موحدة لإدارة جميع نفايات لبنان، لأن هذا قطاع مستقل بحد ذاته ويحتاج إلى معالجة جادة”.

شارك المقال