التنوع الاقتصادي الاماراتي: استراتيجية للنمو المستدام وريادة العالم

سوليكا علاء الدين

تواظب دولة الامارات العربية المتحدة على ترسيخ مكانتها الاقتصادية العالمية، مؤكدة ريادتها كإحدى الدول الأكثر استعداداً وقدرة على تشكيل ملامح الاقتصاد المستقبلي، إذ تواصل تقدمها بخطى ثابتة نحو تحقيق رؤيتها الطموحة في بناء نظام اقتصادي متميز يعتمد على سياسات رشيدة واستراتيجيات هادفة ترتكز على الابتكار والتكنولوجيا والتنوع الاقتصادي، ما يدعم موقعها كنموذج عالمي رائد يُحتذى به في تحقيق النمو المستدام وتعزيز التنافسية الاقتصادية على الصعيدين الاقليمي والدولي. وتجسّد معدلات النمو الايجابية والتوقعات المتفائلة دليلاً قاطعاً على صلابة الاقتصاد الاماراتي ومرونته في تعزيز قدرة الدولة على التكيف بصورة فاعلة مع التقلبات والتحديات الاقتصادية العالمية.

انتعاش اقتصادي متكامل

وفي هذا السياق، توقعت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” تسارع نمو الناتج المحلي الاجمالي في الامارات ابتداءً من العام 2025، مدعوماً بانتعاش القطاع غير النفطي والنتائج المثمرة لبرنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، بالاضافة إلى زيادة وتيرة نمو القطاع النفطي مع تطبيق الزيادة الجديدة في الانتاج التي تم الاتفاق عليها في الاجتماع الأخير لمنظمة “أوبك+”.

وحسب أحدث تقاريرها، من المتوقع أن يسجل الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 5.1 في المئة في العام 2025، و5.0 في المئة في العام 2026، وهو ما يعادل تقريباً ضعف معدل النمو العالمي المتوقع بنحو 2.6 و2.7 في المئة للعامين الحالي والمقبل.

وأوضح التقرير أن الاقتصاد غير النفطي في الامارات لا يزال يشهد نمواً قوياً، ومن المتوقع أن يحافظ على هذا النشاط في العام 2025، مدفوعاً بالطلب القوي على الخدمات، وخصوصاً في قطاعات السياحة، والتجارة، والتمويل. بالاضافة إلى ذلك، أشارت الوكالة إلى أن زيادة إنتاج النفط في الامارات نتيجة تعديل حصتها ضمن منظمة “أوبك+” ستساهم في تسريع النمو خلال عامي 2025 و2026. ومع ذلك، فإن التوقعات الضعيفة لأسعار النفط في 2025 قد تؤدي إلى انخفاض في عائدات الصادرات والإيرادات الحكومية مقارنة بعام 2024.

من ناحية أخرى، أثنت “ستاندرد آند بورز غلوبال” على استراتيجية الدولة لتعزيز النمو من خلال الاندماج الاقتصادي العالمي، مستفيدةً من برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، الذي من المتوقع أن يزيد من إمكانات النمو الاقتصادي للدولة.

نمو واعد في 2025

في خطوة مماثلة، قام المصرف المركزي الاماراتي بتحديث تقديراته للنمو الاقتصادي لعام 2025، حيث توقع زيادة في معدل الناتج المحلي الاجمالي لتصل إلى 4.7 في المئة، وذلك بفضل الأداء القوي لكل من القطاعين النفطي وغير النفطي. كما توقع أن يرتفع النمو إلى 5.7 في المئة في العام 2026، مدعوماً بتوسع أكبر في قطاع الهيدروكربونات، استناداً إلى فرضية تعافي إنتاج النفط وفقاً لاتفاقية “أوبك+”.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه توقعات النمو. فمن بين المخاطر السلبية، تبرز احتمالية تفاقم التوترات الجيوسياسية الراهنة، وتباطؤ الاقتصاد العالمي نتيجة استمرار ارتفاع أسعار الفائدة لفترة طويلة، بالاضافة إلى حالة عدم الاستقرار في السياسات التجارية، فضلاً عن الآثار السلبية المحتملة لانخفاض أسعار النفط على القطاع غير النفطي. وعلى الجانب الآخر، تكمن المخاطر الايجابية في إمكان أن تساهم الاصلاحات الناجحة، إلى جانب جهود التنوع الاقتصادي، واتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، والمشاريع الاستثمارية، فضلاً عن التبني السريع للتكنولوجيا مثل الذكاء الاصطناعي في القطاعات الرئيسية، في دفع عجلة الأداء الاقتصادي.

تنوع طموح

وتوقع المصرف المركزي استمرار قوة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، بحيث من المرجح أن يصل إلى 5.1 في المئة في العام 2025 و4.8 في المئة في العام 2026، وذلك بدعم من الخطط الاستراتيجية والسياسات الحكومية التي تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز التنوع الاقتصادي. وتنسجم هذه التوقعات مع المبادرات الوطنية الرئيسية، مثل مشروع 300 مليار التي ترمي إلى زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الاجمالي من 133 مليار درهم إلى 300 مليار درهم بحلول العام 2031. كما تتوافق مع استراتيجية الامارات للسياحة 2031، التي تهدف إلى رفع مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الاجمالي إلى 450 مليار درهم، وجذب استثمارات جديدة بقيمة 100 مليار درهم للقطاع السياحي، بالاضافة إلى استقطاب 40 مليون زائر في المنشآت الفندقية بحلول العقد المقبل. في المقابل، أشارت تقديرات المركزي إلى نمو قطاع النفط بنسبة 3.6 في المئة في العام 2025، يليه نمو بنسبة 8.5 في المئة في العام 2026.

وأشار تقرير المركزي إلى أن قطاع النقل في دولة الامارات سجل أداءً متميزاً خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2024، محققاً زيادة قدرها 7.9 في المئة مقارنة بالعام السابق، ما يؤكد الدور المتنامي لدولة الامارات في قطاعي السياحة والطيران العالميين.

تضخم مستقر

على صعيد آخر، حافظ المصرف المركزي الاماراتي على توقعاته لمعدل التضخم لعام 2025 عند 2.0 في المئة من دون تغيير، وهو ما يُعد أقل بكثير من المتوسط العالمي. ومن المرجح أن يكون التضخم مدفوعاً بصورة رئيسية بمكونات السلة الاستهلاكية غير القابلة للتبادل، مع تعويض جزئي من انخفاض أسعار الطاقة. علاوة على ذلك، من المرجح أن يسهم استمرار السياسة النقدية الأكثر تشدداً في العالم في كبح معدل التضخم، ما يعزز استقرار الأسعار. أما في العام 2026، فمن المتوقع أن يشهد التضخم تسارعاً طفيفاً إلى 2.1 في المئة، نتيجة للطلب المحلي القوي والعوامل الخارجية المؤثرة.

من جانبها، توقعت وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال” أن يظل متوسط معدل التضخم مستقراً عند 1.8 في المئة في العام 2025، وذلك بسبب استمرار تأثير قوة الدرهم واستقرار السياسة النقدية عند مستوياتها الحالية، باستثناء تخفيض طفيف في أسعار الفائدة المتوقع في أيار 2025، والذي يُتوقع أن يسهم في موازنة الطلب المحلي القوي.

نمو وريادة

يحمل الاقتصاد الاماراتي آفاقاً واعدة لمزيد من النمو والازدهار تُعزز مساره التصاعدي .فوفقاً لآخر تقرير صادر عن معهد المحاسبين القانونيين في إنكلترا وويلز (ICAEW) تحت عنوان “تحديث الاقتصاد للربع الأول 2025: الشرق الأوسط”، يُتوقع أن ينمو اقتصاد الامارات بنسبة 4.8 في المئة هذا العام، على أن يكون قطاعا التجارة والسياحة المحركين الرئيسيين لهذا النمو.

وأشار المعهد في تقريره إلى أن صناعة السياحة، التي تُعد القطاع الأسرع نمواً في المنطقة خلال العام 2024، ستظل عاملاً حيوياً في دعم النمو وجهود التنويع الاقتصادي. كما ستستمر التجارة في لعب دور بارز في النمو الاقتصادي، بحيث عملت الامارات مؤخراً على توسيع نطاق وصولها إلى الأسواق وتعزيز التعاون من خلال العديد من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة. إذ حققت التجارة الخارجية للإمارات إنجازاً جديداً في العام 2024، بتجاوزها حاجز 3 تريليونات درهم للمرة الأولى.

وتُعد سياسة التنويع الاقتصادي التي تنتهجها دولة الامارات الركيزة الأساسية التي تدعم الرؤية المستقبلية لنموها الاقتصادي وتضمن استدامته على المدى الطويل، بحيث تساهم في بناء قاعدة اقتصادية متنوعة تجعلها في طليعة الاقتصادات العالمية الرائدة.

شارك المقال