بين بعبدا والسراي، ثمة رجل يبحث عن دور لم يمارسه أسلافه من قبل هو نواف سلام، ورجل يبحث عن علامة فارقة لم يرسمها أي من أسلافه منذ الاستقلال هو جوزاف عون.
ما جرى في قصر بعبدا في الأمس، وعلى الرغم من انتهائه بطريقة دستورية ديموقراطية، لا يؤسس لقيام عهد مختلف، ولا يؤشر الى أن الرجلين يقدمان أولويات الوطن – الدولة على أولويات الشخص – الزعيم، وسط اجماع من مراقبين محليين ودوليين على أن كل واحد منهما كان يحاول أن يقول لقاعدته أنا هو الرجل القوي في بيئتي وفي موقعي قبل أي مكان آخر.
والواضح أن نواف سلام الآتي الى الحكم من القضاء أكثر منه من السياسة، يحاول، ولو ضمناً، أن يقول لكل من استبعده من نادي رؤساء الحكومات لمصلحة أبناء عمه صائب سلام، انه سيثبت للشارع السني أولاً أنه الرجل القادر على اعادة السنة الى الصفوف الأمامية، وثانياً على مواجهة من يحاول تهميشهم سواء كانوا من الثنائي الشيعي أو من ايران أو من رئاسة الجمهورية أو من أي تكتلات اعتراضية محلية أخرى.
“أنا زعيم السنة”، قالها وسط مجموعة من الحيثيات السنية قبيل تشكيل الحكومة الحالية، كاشفاً بذلك النزعة الخفية التي رافقته طويلاً، أي نزعة الممتعض من قرار تغييبه عن السراي، واكتفائه بممارسة حياته القضائية والسياسية خارج البلاد سواء في الأمم المتحدة مندوباً أو محكمة لاهاي رئيساً.
وتكشف مصادر رافقت نواف سلام طويلاً منذ التحق بالحركة الوطنية خلف قيادة ياسر عرفات، أن الرجل تعايش مع الانطباع القائل بأنه أفضل المهيئين لرئاسة الوزراء وأكثرهم التزاماً وقوة ونزاهة، وأن الوقت حان ليثبت ذلك بعدما دارت الدوائر فجأة وفتحت له باب السراي من حيث لم يخطط ولم يتوقع، يساعده في ذلك أن الرجل الذي يمكن أن يقطع عليه الطريق الى أي سلطة سنية واسعة، أي سعد الحريري لم يحزم حقائب العودة النهائية بعد.
وتضيف المصادر، ان حملات الثناء على سجله القضائي وسيرته الذاتية، وهي حملة لا لبس فيها، زادت من ميله الى المعاندة في ما يتعلق بطريقة الحكم، والى الاصرار على الظهور بمظهر الزعيم السني الذي يعيد بيئته الى عهد رياض الصلح، أو يحيي شيئاً من هيبة رفيق الحريري وانجازاته.
وليس في هذا الطموح ما يعيب أو يخرج على أي حق شخصي في بلد قائم على صراع الطوائف والشخصانيات، لكن ما يقلق هو أن يظن نواف سلام الذي لم يتلقَ بعد أي دعوة الى المرجعية السنية الأكبر في السعودية، أن استرجاع الهيبة السنية يقوم على ضرب هيبة الرئاسة، متناسياً أن هذه الهيبة لم تسقط من بعبدا بل سقطت أولاً من قصر المهاجرين في زمن الأسدين ثم من طهران والضاحية الجنوبية، ثم من الهوة التي فتحت بين بيت الوسط والرياض.
هذا الحق لا يعني في نظر المراقبين، أن ثمة قديسين يديرون البلاد الآن أو أن ثمة فرساناً مدججين بالسلاح يتصدون لكل خطر قائم أو محتمل، خصوصاً أن التباينات بين سلام وعون ليست على سلاح “حزب الله” الذي يعرقل مسيرة الاصلاحات ويمنع اعادة الاعمار، وليست على دعوات التطبيع مع اسرائيل أو على ضغوط الولايات المتحدة وشروطها، ولا على التحديات الآتية من سوريا الجديدة، بل على تعيين من هنا وتعيين من هناك في محاولة للتمسك بأكبر قدر من مصادر القوة في المراكز السيادية الحساسة، وكأنهما يخططان للبقاء في الحكم الى الأبد أو لاثبات من هو الربان الحقيقي الذي يدير البلاد.
ولا يبدو الرئيس عون بعيداً جداً مما يراود سلام من طموحات وأحلام، فهو أيضاً يرفض أن يكون رئيساً مارونياً عادياً على غرار الرؤساء الذين دخلوا بعبدا بعد اتفاق الطائف، هامساً في كواليسه أنه لن يقبل بأن يكون مختلفاً عن فؤاد شهاب في ما يتعلق بحكم المؤسسات ولا عن الياس سركيس في ما يتعلق بحكم الأكفاء.
وتكشف مصادر قريبة من عون، أن الأخير يحاول تدوير الزوايا في ما يتعلق بسلاح “حزب الله” ما سبّب له خلافات وتباينات حادة مع الأميركيين، خلافاً للرئيس سلام الذي كان مباشراً في رفض هذا السلاح، وهو الأمر الذي دفع وزراء الثنائي الشيعي الى طي زنده في مجلس الوزراء.
وتضيف: ان هذا الأمر لا يعني أن سياسة عون على حق وأن سياسة سلام على باطل، بل يعني أن الرجلين يهدران الوقت، وينشغلان بأمور كثيرة لا تؤتي ثماراً ما لم يتفقا على معالجة العقدة الأساسية أي عقدة اللغم الذي ينفجر مرة ضد اسرائيل ومرة ضد سوريا، ويحوّل لبنان الى قنبلة موقوتة في مكان أو الى هدف مطلوب في مكان آخر.
هذا المشهد، دفع أحد المراقبين الأجانب الى القول، ان شد الحبال بين عون وسلام سيرخي الحبل المشدود حول عنق الممانعة، وان أي تحديات مماثلة ستعطي وزراء الثنائي ما حرموا منه في البيان الوزاري، أي بيضة القبان التي تحل محل الثلث الضامن من حيث تشاء الحكومة أو لا تشاء.
كلنا يعرف، يقول أحد العارفين، أن عون فوجئ بترشيح نواف سلام الى رئاسة الحكومة ولم يكن الأمر خبراً طيباً بالنسبة الى فريق عمله، ولم يكن سلام، الذي حظي باجماع قلّ نظيره، في موقع يسمح له بدخول القصر من موقع عادي، فحاول الوقوف في وجه الثنائي جوزاف عون – نبيه بري كزعيم سني جاء ليثبت ركائز السلم الثلاثي.
ويختم: عون وسلام يعرفان جيداً أن أميركا هي التى تدير دفة الحكم في بيروت من خلف البحار، مؤكداً أن هذا الكباش الذي يدور بين ديكين وسط الذئاب، يجب أن ينتهي في أسرع وقت ممكن، اذ إن لبنان لا يحتاج اليوم الى حكام أقوياء بقدر ما يحتاج الى حكام حكماء.


