لطالما كان نادي الرياضي بيروت أحد أعمدة كرة السلة اللبنانية، فريقاً اعتاد معانقة الألقاب ومواجهة التحديات بروح البطل. لكنه اليوم يجد نفسه أمام اختبار صعب بعد خسارته الأخيرة التي فتحت الباب واسعاً أمام التساؤلات، ليس حول قدرته على المنافسة وحسب، بل حول أفقه التكتيكي ومتانة تشكيلته في ظل الغيابات المؤثرة التي تعرض لها.
غياب الأجانب.. ثغرة تهزّ توازن الفريق
على مدى عقود، شكل اللاعبون الأجانب جزءاً حيوياً من تركيبة الرياضي بيروت، يضيفون بعداً تكتيكياً ويساهمون في ضبط إيقاع اللعب، لكن الفريق وجد نفسه في مواجهة قدره بصفوف غير مكتملة. الغياب القسري للاعبين الأجانب لم يكن مجرد عقبة عابرة، بل بدا كأنه جرس إنذار لجهازه الفني، الذي اضطر إلى إعادة هيكلة خططه والاعتماد بصورة أكبر على اللاعبين المحليين لسد الفجوة.
المدرب أحمد فران، على الرغم من كل الصعوبات، ظهر واثقاً من قدرة فريقه على استعادة بريقه. “سنعود بتشكيلة قادرة على المنافسة بقوة”، هكذا خاطب الجماهير، في محاولة منه لاحتواء المخاوف التي اجتاحت عشاق “رجال المنارة” بعد السقوط أمام بيروت فيرست.
بيروت فيرست.. حين تصنع الارادة الفارق
كانت المباراة الأخيرة بين الرياضي وبيروت فيرست أشبه بمعركة نفسية قبل أن تكون مجرد مواجهة رياضية. فالفريق الذي يديره المدرب جاد الحاج دخل اللقاء بروح قتالية عالية، عازماً على كسر سلسلة انتصارات الرياضي، ولم يكتفِ بذلك، بل قدّم أداءً استثنائياً منحه فوزاً مستحقاً بنتيجة 92-86.
بيروت بدأ المواجهة بقوة، فارضاً إيقاعه منذ اللحظات الأولى، بينما حاول الرياضي التقاط أنفاسه من دون جدوى. وبينما تمكن “رجال المنارة” من تقليص الفارق في مراحل لاحقة، إلا أن بيروت احتفظ برباطة جأشه حتى صافرة النهاية، ليؤكد أنه ليس مجرد خصم عابر، بل منافس حقيقي على اللقب.
ما وراء الخسارة.. قراءة في المشهد الفني
بالنسبة الى المحللين الرياضيين، فإن الخسارة التي تعرض لها الرياضي ليست مجرد تعثر، بل مؤشر على تحديات أعمق.
سامر عيتاني، المحلل الرياضي، أشار عبر موقع “لبنان الكبير”، إلى أن “الخسارة أمر طبيعي في عالم الرياضة، لكن بدا واضحاً منذ بداية المباراة أن الفريق لم يكن في يومه”.
وأضاف: “غياب اللاعب الأجنبي الثالث كان مؤثراً، إلى جانب الاصابات التي طالت كريم زينون وإسماعيل أحمد. كريم بالكاد شارك، بينما اضطر كينغ الى البقاء في الملعب لأكثر من 35 دقيقة من دون راحة بسبب نقص البدائل”.
وعلى الرغم من ذلك، رأى عيتاني أن “الرياضي لم ينهَر، بل أظهر روحاً قتالية قلّصت الفارق من 20 نقطة إلى نقطة واحدة في بعض اللحظات. هذه الروح هي ما يجعل هذا الفريق قادراً على النهوض مجدداً”.
وفي مباراة جرت مساء اليوم على صالة مزهر في أنطلياس، ضمن الجولة العاشرة من ذهاب بطولة لبنان لأندية الدرجة الأولى لكرة السلة، استعاد فريق النادي الرياضي بيروت نغمة الانتصارات بفوزه المريح على مضيفه هومنتمن بفارق 27 نقطة (96-69).
وائل عرقجي تألق كعادته، وكان الأفضل تسجيلاً في صفوف بطل لبنان برصيد 21 نقطة، إلى جانب 7 متابعات و6 تمريرات حاسمة، فيما كان غاري شيفيجيان الأفضل لدى هومنتمن برصيد 18 نقطة.
بهذا الفوز، رفع النادي الرياضي رصيده إلى 19 نقطة من 9 انتصارات مقابل خسارة واحدة، بينما تلقى هومنتمن هزيمته السادسة مقابل 4 انتصارات، ليصبح رصيده 14 نقطة.
المباراة شهدت مشاركة الأجنبي الإسباني إليمان ديوب فقط، بعد مغادرة جورج كينغ للانضمام إلى نادي الاتحاد الاسكندري المصري. ومن المنتظر أن يتم تعويضه بالجناح الأميركي ماركوس جورج هانت (31 عاماً – 198 سم)، الذي وصل إلى بيروت وسيكون حاضراً في الديربي أمام الحكمة السبت المقبل.
هانت قادم من الدوري الصيني، حيث لعب لصالح سوشيان بلو وايلز بجانب الكرواتي مارين ماريتش، الذي سبق أن دخلت إدارة الرياضي في مفاوضات معه، ما يفتح الباب أمام إمكان ضمه لاحقًاً.
فران: مواجهة الحكمة دائماً مختلفة
في حديثه عقب المباراة، شدد المدرب أحمد فران على أهمية الأداء الجماعي في ظل غياب الأجانب، قائلاً: “اليوم لعبنا بأجنبي واحد فقط، وكان على اللاعبين اللبنانيين تحمل المسؤولية، وأعتقد أنهم فعلوا ذلك بشكل جيد. كريم زينون ما زال بحاجة إلى بعض الوقت لاستعادة مستواه بعد الإصابة، لكننا منحناه الثقة تدريجياً، كما أن علي حيدر قدّم مباراة رائعة، وحقق دابل دابل، وهو ما يعكس العمل الكبير الذي يقوم به اللاعبون المحليون”.
وأضاف فران: “رأينا اليوم ماركوس جورج هانت معنا لأول مرة، وهو لاعب جاهز ويملك خبرة كبيرة، لكن يحتاج إلى بعض الوقت للاندماج مع الفريق. في النهاية، نحن نعمل على استقدام اللاعبين المناسبين من الدوريات القوية، سواء من أوروبا أو أستراليا أو الصين، لضمان الجودة العالية في التعاقدات”.
وبالنسبة الى مباراة الديربي المقبلة، قال فران: “مواجهة الحكمة دائماً مختلفة، إنها المباراة التي ينتظرها الجميع، وجمهورنا سيملأ المدرجات لدعمنا. نأمل أن نقدّم أداءً يليق بهذا الحدث الكبير، ونريد أن نثبت أننا الأفضل على أرضنا”.
عرقجي: نجحنا في التعويض والعودة بقوة
أما وائل عرقجي، فأكد أن الأهم ليس الخسارة أو الفوز، بل كيفية التفاعل مع كل مباراة، قائلاً: “كل فريق يمر بفترات صعبة، ولكن الأهم هو كيفية العودة. اليوم أثبتنا أننا قادرون على تقديم مستوى مميز حتى بغياب أحد لاعبينا الأجانب، وأظهرنا شخصية قوية منذ البداية”.
وأشار الى “أننا في المباراة السابقة لم نكن في أفضل حالاتنا، لكننا اليوم نجحنا في التعويض والعودة بقوة. الآن، نحن نستعد لمباراة مهمة جداً أمام الحكمة، وهي مواجهة خاصة لطالما كانت محط أنظار الجميع”.
وعن أجواء الديربي، اعتبر عرقجي أن “اللعب أمام جمهور الحكمة ليس سهلاً، فهم يصنعون أجواء صعبة جداً، لكننا مستعدون لهذه التحديات. نأمل أن تكون المباراة على مستوى التوقعات، وأن نقدم أداءً يليق بسمعة الفريقين”.
ناصر: المباراة القادمة اختبار حقيقي
وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، قدّم الناقد الرياضي رامي ناصر رؤيته لأداء نادي الرياضي بيروت بعد نتائجه الأخيرة، معتبراً أن الخسارة أمام بيروت فيرست لم تكن مجرد عثرة عابرة، بل دلالة على وجود خلل في منظومة الفريق.
وقال ناصر: “من السهل تعليق الخسارة على غياب اللاعبين الأجانب، لكن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك. الفريق افتقد المرونة التكتيكية، ولم تبدُ لديه أي حلول واضحة أمام الضغط الذي فرضه بيروت فيرست. شاهدنا محاولات فردية من بعض اللاعبين لإنقاذ الموقف، لكنها لم تكن كافية لتعويض غياب التنظيم والانسجام”.
وأضاف: “صحيح أن الرياضي عاد وحقق انتصاراً مريحاً على هومنتمن، لكن لا يمكن اعتبار ذلك مؤشراً على التعافي الكامل. الفجوة الفنية بين الفريقين واضحة، لكن في المباريات الكبيرة، مثل الديربي المقبل أمام الحكمة، لن يكون هناك مجال للأخطاء نفسها”.
ورأى أن “التعاقد مع هانت خطوة جيدة، لكنه ليس الحل السحري لكل مشكلات الفريق. الرياضي بحاجة إلى إعادة النظر في أسلوب لعبه، خصوصاً في ظل الاعتماد المفرط على وائل عرقجي في صناعة الفارق”.
وأكد أن “المباراة القادمة أمام الحكمة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الفريق على النهوض. إذا لم يتحسن الأداء الجماعي ويتطور الانسجام التكتيكي، فقد يجد الرياضي نفسه في موقف صعب أمام منافس يعرف جيداً كيف يستغل نقاط ضعف خصومه”.


