ماذا يريد “حزب الله” تحديداً؟
سؤال لا يبحث عن جواب في بيروت وحسب، بل في تل أبيب وواشنطن والرياض وكل عاصمة عربية أو أجنبية معنية بما يجري في الشرق الأوسط بعد “السابع من اكتوبر”.
الجواب ليس واحداً لدى أي فريق، وقد لا يكون أيضاً لدى “حزب الله” نفسه، هو الخارج من زلزال لم يكن يعمل له أو يتوقعه ولو للحظة سواء في حسابات ايران أو حسابات حسن نصر الله.
فجأة، يقول مصدر قريب من الحزب، لم يعد لنا قائد ولا قيادات ولا خلفاء ولا جنود ولا مواقع ولا حتى قضية يمكن تسويقها أو القتال من أجلها، مشيراً الى أن جل ما تسعى اليه البيئة الشيعية المسلحة هو الاحتفاظ بورقة التين، أي ما تبقى من السلاح الذي تحاول الاستقواء به في الشارع أو تطويع الآخرين في المفاوضات.
والواقع أن “حزب الله” لم يشعر منذ انطلاقته في لبنان العام ١٩٨٢ بهذا القدر من الخوف في مكان والغربة في آخر، مؤكداً أن الخوف نابع من احتمالين: الأول أن تكمل اسرائيل مهمة القضاء عليه بدعم أميركي مطلق، والثاني أن يتلقى أمراً من ايران اما بتسليم سلاحه ثمناً لأي اتفاق تبرمه مع الرئيس دونالد ترامب، واما استخدامه في انقلاب عسكري داخلي غير مضمون تأمل في أن يعيد لبنان الى ما قبل “الثامن من أكتوبر”.
وما قاله الشيخ نعيم قاسم أخيراً وبعض حيثيات الحزب، يؤشر الى أن ايران لا تخوض في مسقط وروما مفاوضات سلسة كما يتردد في بعض الدوائر والكواليس، وأن وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي يصارع بأي طريقة ممكنة للخروج من غرف المفاوضات بما يمكن أن يبعد عن بلاده ضربة عسكرية أميركية أو اسرائيلية قد تقضي اما على ورقته النووية الثمينة، واما على النظام الحاكم القائم على شارع متحفز قد ينفجر في أي لحظة.
وما قاله قاسم، لم يقله عراقجي في روما السبت الماضي وقد لا يقوله في مسقط السبت المقبل، لكنه كان كافياً ليعرف الأميركيون أن ايران تحاول فقط كسب الوقت وتجنب العمل العسكري المباشر من جهة، وأنها من جهة أخرى لن تخمد جبهة اليمن، ولن تسهم في اطلاق الرهائن في غزة، ولن تهدأ في سوريا ولن تروّض “حزب الله” في لبنان، ولن توقف شحنات الأسلحة والأموال اليه من أي معبر متاح سواء كان براً أو بحراً أو جواً.
والواقع أيضاً أن ايران تعرف أن حرب الحزب الآن ليست مع اسرائيل التي تصطاد قادته وعناصره ومخازنه الواحد بعد الآخر من دون أي رد مضاد، بل مع “العهد الأميركي الجديد” في البلاد وتحديداً مع أي فريق يتعرض لموضوع السلاح سواء بالحسنى أو بالقوة، قائلة في كواليسها إن ما تغير في مواجهة الاسرائيليين لم يتغير في مواجهة اللبنانيين، وان السلاح المعطل في الجنوب لا يزال فاعلاً في الداخل لا بل جاهز لأي معركة تلجم الاندفاعة الرسمية في كل من بعبدا والسراي في اتجاه نزع السلاح.
وينطلق “حزب الله” في تحدياته ومكابراته من عاملين أساسيين: الأول أن تردد العهد الجديد في فتح ملف السلاح بعيداً من الخطابات ربما يحد من الدعم الأميركي والعربي له ويحوّله الى عهد معزول أو الى قضية مؤجلة، والثاني وجود اقتناع بأنه قادر على منع الجيش اللبناني من حسم أي مواجهة مباشرة بين الفريقين أو على شله بحيث تسقط معادلة السلاح في مقابل الاعمار وتخلفها معادلة العهد في مقابل الاعمار.
وليس سراً أن في هذا الجو استعداداً للانقضاض على الحكم الجديد في بيروت تمهيداً لاسقاطه تماماً كما حدث في العام ١٩٨٢عندما أسقط حلفاء سوريا اتفاق “السابع عشر من أيار”، وذلك وسط انطباع في أوساط البيئة الشيعية المسلحة بأن القرار ١٧٠١ ومندرجاته لا يختلف أبدا عن ذلك الاتفاق، اذ ان الاثنين يهدفان الى بسط سلطة أميركا على لبنان وفتح باب التطبيع بين بيروت وتل أبيب.
وليس سراً أيضاً أن تهديدات نعيم قاسم لكل من يحاول الحديث عن تسليم السلاح، موجهة في شكل مباشر الى الرئيس جوزاف عون الذي أكد أن العام ٢٠٢٥ سيشهد على زوال السلاح غير الشرعي في البلاد، محاولاً بذلك حشره في زاوية صعبة لا يستطيع فيها التملص مما تعهده في خطاب القسم وضرب عهده في بداياته، ولا يستطيع الخروج بالجيش الى معركة غير مضمونة تجر البلاد الى حرب أهلية.
وما قاله الرئيس عون في بكركي بعد تهديدات نعيم قاسم يظهر وكأن المواجهة بين الطرفين تحولت مواجهة شخصية لولا تدخل مباشر من المندوبة الأميركية مورغان أورتاغوس التي خرجت عن الأصول الديبلوماسية واتخذت موقفاً يؤشر الى حد بعيد الى أن ما تجريه في لبنان هو معركتها الشخصية وأنها غير مستعدة لخسارة هذا الملف لا في نظر الرئيس ترامب ولا في نظر اللبنانيين الذين يبحثون عما يمكن أن يحد من فرص العودة الى حرب مع اسرائيل أو الى حرب في الداخل.
والواقع أن ما قاله عون في بكركي على الرغم من حدته، يكشف بطريقة غير مباشرة أن الرجل يخضع لمصدرين من الضغط، الأول من الأميركيين الذين يؤمنون بأن الجيش اللبناني قادر على الحسم، والثاني من الحزب الذي يحذره من أي مغامرة قد تستنسخ ما جرى في “الثامن من أيار” أو في “السادس من شباط” ذات يوم، مؤكداً لرئيس الجمهورية أنه مستعد للتفاوض ثنائياً على الاحتفاظ بالسلاح لا على تسليمه ولو حظي بكل أنواع التطمينات والضمانات، ورافضاً الانخراط في جيش لا يأمره ولا يتحكم من خلاله بقرار الحرب والسلم.
وذهبت مصادر ممانعة بعيداً الى حد القول ان نعيم قاسم الذي يطلع على ما يجري في مسقط القريبة من اليمن، أراد إفهام من يعنيه الأمر أن سلاحه هو سلاح عقائدي طويل الأجل يرتبط بعودة المهدي المنتظر، وأن نزعه يتطلب أمرين: اما أوامر من أئمة ايران واما انتصار اسرائيلي ساحق.
وسط هذا الجو القاتم، يسود اعتقاد في كل من واشنطن وتل أبيب أن ايران لن تسلم أوراقها بسهولة، وأن الأميركيين لن يتنازلوا لها بسهولة، وأن المفاوضات لا يمكن أن تستمر الى ما لا نهاية خصوصاً أن ترامب بات أمام أمرين صعبين ومحرجين، الأول أنه لا يستطيع التساهل مع ايران بعدما فقد زخمه في الموضوع الروسي – الأوكراني، والثاني أنه لا يستطيع منع اسرائيل طويلاً من مهاجمة المشروع النووي الايراني.
انه الميل الأخير في مسارات الجميع وبينها مسار الرئيسين عون ونواف سلام اللذين يتسابقان نحو مجد باطل، الأول مستنداً الى ما قاله في خطاب القسم والثاني مستندا الى ما قاله في البيان الوزاري وكأن ما ورد في الخطابين يعنيان الموارنة في مكان والسنة في مكان، في وقت يسرح “حزب الله” كما يشاء ويعاند قدر ما يشاء ويحصل من مصادر القوة التسلحية والمالية على ما يشاء، إن لم يكن من سوريا والمطار فمن مرفأ بيروت حيث لا تزال رائحة النيترات المتفحمة عابقة في المكان.


