في العصر الحديث، أصبح استخدام المضادات الحيوية من الظواهر الشائعة بين الناس، بحيث يلجأ الكثيرون إليها بصورة عشوائية ومن دون استشارة طبيب مختص، سواء لعلاج نزلات البرد أو غيرها من الأمراض التي لا تتطلب عادةً استخدام هذه المضادات. ويعكس هذا التصرف نقص الوعي الكافي حول أهمية استخدامها بصورة مسؤولة، والآثار السلبية الناتجة عن ذلك تتعدى مجرد عدم فاعليتها في بعض الحالات، لتشمل تطور سلالات من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، ما يصعّب علاج العدوى في المستقبل ويعرض صحة المجتمع للخطر. من هنا، يتوجب التركيز على التوعية بأهمية الاستخدام الصحيح للمضادات الحيوية والتشديد على ضرورة استشارة الطبيب قبل تناولها، للحفاظ على فاعلية الأدوية وصحة الأفراد والمجتمع عموماً.
الآثار الجانبية لاستخدام المضادات الحيوية تسبب ضعفاً في المناعة، تكاثر الفطريات، ضعف البكتيريا الايجابية في المعدة والأمعاء، بالاضافة الى الاسهال والغثيان والتقيؤ، بحسب الاختصاصي في أمراض وجراحة الأنف والأذن والحنجرة الدكتور عبد الكريم رمضان الذي يؤكد لـ “لبنان الكبير” أن
“المضادات الحيوية لا يستحسن استخدامها بصورة عشوائية لمكافحة البكتيريا، فالاستخدام المفرط لها، يعمل على الضرر بتوازن البكتيريا النافعة في الجسم”.
وينصح رمضان بـ “التقليل من كثرة استخدام المضادات الحيوية، وتناول السوائل والفيتامينات، واستعمال الألبان والأجبان البيضاء المحتوية على مادة البفيديوم (البكتيريا النافعة) وعدم استخدام المضادات الحيوية في حال الاصابة بالفيروس (رشح، هربس)”.
ويشدد على ضرورة “مراجعة الطبيب الاخصائي عند استعمال المضادات الحيوية، لتحديد ما اذا كانت هناك حساسية أو تعارض بين نوع البكتيريا والمضاد الحيوي”.
لا يمكن التغاضي عن أنّ هذه المضادات قد تؤدي إلى تلف في الأعضاء، خصوصاً عند سوء الاستخدام أو الإفراط فيها. ومع تكرار الاستخدام غير المنظم، تقل فعالية الأدوية، ما يضطر الأطباء الى استخدام أدوية أقوى.
وكشفت دراسة حديثة أن الإفراط في تناول المضادات الحيوية يزيد مخاطر إصابة الأطفال بالحساسية والربو مع تقدمهم في العمر، اذ تبيّن أن تناولها في الصغر يضاعف من مخاطر الإصابة بالربو بنسبة 24%، ومخاطر الإصابة بحساسية الطعام بـ33% في مراحل لاحقة من العمر. وذكر فريق بحثي من جامعات نيويورك وستاندفورد وروتجرز بالولايات المتحدة أن السبب في ذلك يعود إلى تغير التركيب الميكروبي في المعدة، الناجم عن تناول كميات كبيرة من المضادات الحيوية.
تعود أسباب انتشار الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية إلى نقص الوعي الصحي أولاً، اذ يجهل الكثير من الناس أنها لا تعالج جميع أنواع العدوى، خصوصاً الفيروسية منها. ثانياً، سهولة الحصول عليها لأن غالبية الصيدليات تبيع المضادات الحيوية من دون وصفة طبية، ما يسهل استخدامها من غير إشراف طبي. ثالثاً الاعتماد على التجربة الشخصية، بحيث يلجأ البعض إلى تناول المضادات بناءً على تجارب سابقة أو نصائح غير موثوقة، ما يعزز استخدامها غير المبرر.


