تُعدّ دولة الامارات العربية المتحدة نموذجاً ريادياً في التطور التكنولوجي والتحول الرقمي المُتنامي، إذ تبنّت الاقتصاد الرقمي كركيزة أساسية لتعزيز التنويع الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، أطلقت الدولة عدداً من الاستراتيجيات الطموحة، بهدف تمكين البنية التحتية الرقمية وتعزيز جاهزيتها، ما أهلها لتبوُّؤ مراتب متقدمة عالمياً.
وتُجسّد هذه الاستراتيجيات رؤية الامارات في ترسيخ مكانتها كدولة ذكية عالمية ومركز إقليمي للابتكار التكنولوجي، بما يواكب التحولات المتسارعة في الاقتصاد الرقمي. كما تهدف إلى رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي من نحو 12 في المئة حالياً من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي إلى 20 في المئة بحلول العام 2031، وسط توقعات بأن تتجاوز قيمة هذا القطاع 140 مليار دولار في العام نفسه.
جاهزية رقمية
في إطار مساعي دولة الامارات لتعزيز التحول الرقمي، أصدرت اللجنة العليا للتحول الرقمي الحكومي النسخة الثانية من تقرير “حالة التحول الرقمي”، وذلك ضمن فعاليات “خلوة الجاهزية الرقمية”. وأظهر التقرير إنجازات الحكومة الاماراتية في مجال التحول الرقمي، مستعرضاً أداءها المتقدّم في مؤشرات التنافسية العالمية المرتبطة بالتكنولوجيا.
كما تناول، مدعوماً بالأرقام، مدى التقدم الرقمي الذي حققته الوزارات والجهات الحكومية الاتحادية عبر 12 قطاعاً حيوياً، تشمل: الاقتصاد، الخدمات المالية، الموارد البشرية، الصحة، التعليم، المجتمع، الثقافة والشباب، خدمات الجنسية والإقامة والشؤون الخارجية، قطاع الأمن والعدل، البنية التحتية والطاقة، الخدمات اللوجيستية وقطاع البيئة.
حكومة رقمية عالمية
وفي التفاصيل، حققت الامارات مراكز متقدمة في العديد من المؤشرات الحكومية الرقمية المهمة. فقد جاءت في المرتبة الأولى عالمياً في مؤشرات البنية التحتية للاتصالات، والإطار المؤسسي للحكومة الرقمية، والمحتوى الرقمي، والمعرفة الرقمية، وذلك بحسب مؤشرات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة. كما تبوّأت المركز الأول عالمياً في مؤشر القدرة الرقمية للحكومة الصادر عن “أكسفورد إنسايتس”، واحتلت المركز الثالث عالمياً في مؤشر تقديم الخدمات الحكومية، والمركز الرابع في مؤشر نضج التحول الرقمي الحكومي الصادر عن البنك الدولي. بالاضافة إلى ذلك، حلّت الامارات في المركز الحادي عشر عالمياً في كل من مؤشر التنافسية الرقمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الادارية، ومؤشر تطور الحكومة الرقمية التابع للأمم المتحدة.
ويُعد هذا التقدم نتيجة مباشرة لما حققته الحكومة من وفورات رقمية كبيرة، بحيث بلغ إجمالي التوفير على المتعاملين 368 مليار درهم، فيما وفّرت الحكومة 20 مليار درهم من النفقات، إلى جانب تقليل البصمة الكربونية بنحو 55.8 مليون طن، وتوفير ما يعادل 530 مليون ساعة عمل. من جهة أخرى، نفّذت الحكومة 173.7 مليون معاملة رقمية، واستقطبت المواقع الحكومية 131.5 مليون زائر، وجرى تحميل التطبيقات الحكومية 26.3 مليون مرة. وتُقدّم الحكومة اليوم 1,419 خدمة رقمية، منها 195 خدمة ذات أولوية، محققة نسبة رضا بين المتعاملين بالخدمات الرقمية بلغت 91 في المئة، في حين استفاد من هذه الخدمات أكثر من 57 مليون متعامل، مع تنفيذ460 مشروعاً للتحول الرقمي الحكومي في الجهات الاتحادية.
إنجازات رقمية قطاعية
التقرير سلّط الضوء على التقدم الذي شهده التحول الرقمي الحكومي في عدد من القطاعات الحيوية، مثل الحكومة الرقمية، والاقتصاد، والمالية، والموارد البشرية، والصحة، والتعليم، والمجتمع، والأمن والعدل، والجنسية والاقامة والشؤون الخارجية، إلى جانب البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجيستية، والبيئة والاستدامة.
ففي قطاع الحكومة الرقمية، بلغ عدد مستخدمي الهوية الرقمية الموحدة 10.8 ملايين مستخدم، مع ربطها بما يزيد على 15 ألف خدمة، ونُفذت من خلالها 2.6 مليار معاملة عبر الربط الحكومي. وفي قطاع الاقتصاد، تم إنجاز 5.2 ملايين معاملة ضريبية رقمية، و316.8 ألف طلب لشهادات منشأ، و64.1 ألف معاملة لقيد وتجديد العلامات التجارية. أما القطاع المالي، فشهد تنفيذ 8300 معاملة لتسجيل وتجديد الموردين، و2500 معاملة لاعتماد موظفي شركات الأسواق المالية، وألف معاملة لتجديد صناديق الاستثمار الأجنبي.
وفي قطاع الموارد البشرية، بلغ عدد المعاملات الرقمية لإصدار تصاريح العمل الجديدة 13.2 مليون معاملة، إضافة إلى 8 ملايين معاملة لإصدار وتجديد عقود العمل، مع تقديم 1.2 مليون ساعة تدريبية عبر منصة “جاهز” لتعزيز جاهزية الكفاءات الحكومية. كما وفّر قطاع التعليم تقديم مصادر رقمية لنحو 1.4 مليون مستفيد، وإنجاز 445.7 ألف معاملة تسجيل جامعية رقمياً. أما في قطاع الصحة، فتم إنجاز مليوني معاملة لصرف الأدوية عبر الصيدليات الروبوتية، بالاضافة إلى مليون فحص للصدر باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، و437.9 ألف استشارة طبية عن بُعد.
كما رصد التقرير التقدم في قطاع البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجيستية، بحيث أنجز 5900 طلب مساعدة سكنية، و68.5 ألف تصريح نقل وطني، و3 آلاف ترخيص لأنشطة تخضع للرقابة النووية. وفي قطاع البيئة، تم إصدار 76.6 ألف شهادة صحة نباتية، و39.6 ألف شهادة صحية بيطرية، بالاضافة إلى 59.9 ألف معاملة للإفراج عن منتجات زراعية واردة. أما قطاع الثقافة، فقد سجّل 2400 معاملة لمنح عضوية مكتبات، و368 معاملة تسجيل لقطع ثقافية مستعارة، و162 معاملة تأجير للمسارح وقاعات الفعاليات.
وفي قطاع العدل والأمن والقضاء، أُنجزت 4.2 ملايين معاملة لدفع المخالفات المرورية، و1.5 مليون معاملة لتجديد ملكية المركبات، و417.8 ألف معاملة لإصدار شهادات بحث الحالة الجنائية. كما شهد قطاع الجنسية والاقامة والشؤون الخارجية تنفيذ 4.7 ملايين معاملة لإصدار وتجديد بطاقات الهوية، و1.6 مليون معاملة لتجديد تصاريح الإقامة في القطاع الخاص، إضافة إلى 596.2 ألف معاملة لتصديق المستندات إلكترونياً.
ريادة مشرقة
يُشكّل التطور الرقمي ركيزة أساسية في مسيرة التنمية الاقتصادية التي تنتهجها دولة الامارات، مدعوماً برؤية استراتيجية شاملة واستثمارات حكومية ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، ما يجعل التحول الرقمي عنصراً محورياً في تعزيز قدرة الدولة على تطوير القطاعات الحيوية وتحقيق نمو مستدام.
وقد أسهم هذا الزخم الاستثماري والتكنولوجي في ترسيخ مكانة الامارات كمركز عالمي متميز في فضاء الرقمنة، بحيث لم تقتصر طموحاتها على مواكبة التحولات العالمية، بل تجاوزتها نحو رسم ملامح مستقبل الاقتصاد الرقمي، مستهدفة الريادة بثبات وعزم على المستويين الاقليمي والدولي.


