يستغرب الطرابلسيّون “الهجمة” التي يتعرّضون لها أخيراً بعد تعمّد المسّ بمقدّساتهم الدّينية التي يعرف القاصي والدّاني أنّ ضربها أو التحدّث عنها بسخرية أو استهزاء خطّ أحمر يُمنع على أيّة شخصية تجاوزه مهما حدث، فبعد صدمتهم بشتم رئيس حزب “التوحيد العربي” وئام وهاب شيخ الإسلام ابن تيمية ولعنه منذ أيّام، يُفاجأ أبناء المدينة بردّ فعله على مقطع مصوّر يُظهر مسيرات تكبير تجوب المدينة، (وهي عادة متكرّرة ومعتمدة في العشر الأوائل من شهر ذي الحجّة)، وكان تعليق وهاب عليها مسيئاً، بعد رصده لأعلام “لا إله إلّا الله” مع التكبير، وعلّق عليها عبر منصّة “إكس” بالقول: “هل وصلت داعش الى الشمال؟”.
ومن وهاب “اللهاب” إلى المسرحية أو “الستاند آب كوميدي” الذي رفضته مدينة الميناء لأنّه “يُسيء إلى الشعائر الدّينية الاسلامية” كما قيل، فقد تجمّع عدد من أبناء المدينة أمام مسرح “ستيريو كواليس” لمنع العرض في 31 أيّار، مع العلم أنّ العرض الأوّل الذي حصل عند السابعة مساءً “مرّ على خيْر” كما يُؤكّد المتابعون، لكن التنديد بمضمونه “الذي يشمل إساءات ضدّ الإسلام والقيم الاجتماعية” تزامن مع العرض الثاني، أيّ عند الساعة العاشرة مساءً، وبعد الاعتصام الذي شارك فيه بعض رجال الدّين، تدخّلت القوى الأمنية لإنهاء التحرّك، فيما تمكّن الممثلون من الانسحاب وتوقّف العرض بعد ارتفاع حدّة الاعتراضات.
العرض من تنظيم مجموعة “أوك.وورد” أيّ المنصة المخصّصة للكوميديا الارتجالية في لبنان التي تُنّظم جولة لها في مختلف المناطق بعنوان “جولة بـ لبنان” احتفالاً بمرور سبعة أعوام على تأسيسها، وسبق لبعض المنتمين إليها أنْ تعرّض لمساءلةٍ قضائية بسبب “الازدراء بالدّين”، فمثلاً العام 2023، تقدّمت دار الفتوى بدعوى ضدّ الممثل الكوميدي نور حجّار، وتمّ استدعاؤه على خلفية عرض المجموعة لمشهدٍ كوميديّ سخرت فيه من آيةٍ قرآنية “قيل فيما بعد إنّها نُقلت للمتابعين بفيديو مجتزأ يُحوّر الفكرة”.
مصدر متابع من الميناء، يلفت في حديثٍ لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ المسرحية تضمّنت تجاوزات بالفعل، ويقول: “حتّى لو أكّدوا أنّ الميناء مدينة التنوّع، لكنّها لم تسمح يوماً بأيّ تطاول أو تجاوز للحدود خصوصاً الدّينية منها، وحسب المعطيات، فإنّ سكريبت الستاند آب يحظى برخصة من الأمن العام، الا أنّ المديرية لن تتقبّل بالتأكيد كلّ ما يمسّ السلم الأهلي، لكن تحصل بعض التعديلات أو الجمل الارتجالية أثناء العرض، قد تتسبّب في مشكلة كبيرة إنْ مرّت بلا مراقبة، وهذا ما يدفع القائمون على المسرحية إلى إعطاء علم وخبر إلى الأجهزة الأمنية لتحميهم، وقد تطرّق العرض إلى القرآن، صلاة الجمعة والمثلية أو الشذوذ، وأحدث في عرضه الأوّل ضجّة قوية أدّت إلى تدخل الشبان من الميناء وخارجها وبعض المشايخ رفضاً للمس بالمقامات والمقدّسات، ولا أعتقد أنّ لوم الطرابلسيين مناسب في هذا الوضع، لأنّنا لو تجاوزنا حدودنا مع أيّ شخصية مهمّة، سياسية أو دينية في أيّ منطقة أخرى، سنتعرّض لهجوم، وباختصار لا يُمكن التحدّث بأيّ شيء وعن أيّ شيء في محيط يُؤمن بهذا الشيء حتّى ولو على سبيل المزاح”.
وعن نهاية الاعتصام، يُؤكّد المصدر أنّ “العُقلاء تدخّلوا في هذا الموضوع، خصوصاً من هيئة علماء المسلمين والشيخ سالم الرافعي الذي قال: لا برخصة أمن عام ولا بأيّ ترخيص… الاستهزاء بديننا وشعائرنا لن يمرّ ولن نسمح به. كما تدخّل بعض أعضاء المجلس البلدي في الميناء”.
الفعاليات الدّينية والشعبية في المدينة، تتحدّث اليوم عن وجود استهداف واضح للقيم الطرابلسية التي ترفض بعض “الترندات” الجديدة التي تُروّج للمثلية وغيرها، ويتساءل مصدر ديني عبر “لبنان الكبير” عن هذا “الخطر”، قائلاً: “من يقف خلف هذه الحملات التي بدأت مع وزيرة التربية ريما كرامي بأساليبها الجديدة وامتدّت مع وهاب الذي لا يترك مناسبة إلّا ويُهين فيها أبناء المدينة، ووصلت إلى العرض الذي لم يحترم أسس المدينة، فما المطلوب منّا اليوم؟ السكوت عن التجاوزات كيّ لا نتحوّل إلى إرهابيين أو متخلّفين؟”.
ويختم قائلاً: “لقد علمنا أنّ العرض المسرحيّ عيْنه، تمّ منعه في صيدا أساساً في 16 نيسان، لكنّه عُرض في طرابلس مع الأسف، فمن سمح لهم بعرضه وكيف تسكت دار الفتوى وسياسيو المدينة عن هذا الاستهزاء كما عن كلّ الإهانات التي وصلتنا حتّى ممّن مُنعت من دخول لبنان وهي مثلية وتُشجّع الشذوذ أيّ شادن فقيه التي اتهمت طرابلس بالدّاعشية بسبب مسرحية؟ وحتّى اللحظة، لم نرصد أيّ بيان من الدار، ولم نشهد كلمة حقّ من سياسيّ يمنع هذه الأنشطة في المدينة، لكن ثمّة شكوك تُشعرنا بالخوف والقلق من كلّ ما يدور حول طرابلس أخيراً، ولكنّنا نؤكّد أنّنا نقف ضدّ كلّ ما يُدمّر الجيل القادم، فيكفينا كلّ الإهمال الذي نراه سياسياً وأمنياً، الا أن تفكيكنا اجتماعياً ودينياً مرفوض بحجّة الفنّ الذي لا يتطرّق إلّا الى الشتائم التي يُطلقها ممثلون تُعجبهم هذه الحال ويتعمّدون استفزازنا كلّ مرّة على أرضنا بلا حدود ويتحجّجون بالحرية، فإذا كانت هذه حريتكم، فللطرابلسيين أيضاً حقّ القبول بها أو رفضها”.


