حين تغيب الرعاية النفسية… من ينقذ الطفل؟

تالا الحريري

في ظل الأزمات الحاصلة والضغوط التي يمر بها الجميع، تكثر القضايا الأساسية في المجتمع التي تجعلنا نتغاضى عن أمور مهمة تتعلق بنا أو بأولادنا وأبرزها موضوع الصحة النفسية ولا سيما للأولاد. هنا يبرز دور كل من الأهل والمدرسة في متابعة هذا الموضوع، لأنهما العنصران الأساسيان في تكوين شخصية الأولاد.

نظرة المجتمع اللبناني الى الصحة النفسية بدأت تختلف مع الانفتاح والتطور الحاصل والتقدم العلمي، ولكن لا يزال هناك أشخاص لا يتقبلون حاجة أولادهم إلى المتابعة أو المعالجة النفسية التي قد تنقذهم من وضع أسوأ في وقت لاحق. بعض المدارس، بدأ يدخل الى نظامه المتابعة النفسية، لكن البعض الآخر لا يزال غائباً تماماً عن هذا الموضوع، بحيث لا يتم تسليط الضوء كثيراً عليه على الرغم من أنّ تنشئة المدرسة تعتبر ثاني أهم تنشئة بعد الأهل وهي المسؤولة عن متابعة سلوكيات الطفل وتوجيهه بصورة صحيحة وسليمة. ومن الضروري متابعة صحة الأولاد النفسية منذ نشأتهم باعتبار أن هذا العمر حساس جداً وفيه تقلبات، لذلك فإنّ انقاذهم نفسياً في هذا العمر يمنع تكّدّس العقد أو المخاوف.

المعالجة النفسية مايا دبوق رأت في حديث لـ”لبنان الكبير” أن “المدارس أصبح فيها وعي كبير عموماً، بأن من الضروري توظيف أخصائي نفسي والاهتمام بالصحة النفسية للأولاد. فالمدرسة هي المكان الثاني الذي يتعرض فيه الطفل للانفصال وتكوين المجتمع الأولي، والمكان الأول الذي يخرج من بين أهله إليه، حيث هناك القوانين والشخصيات المختلفة وتفاعل الطفل معها. لذلك، تلعب المدرسة دوراً في التنشئة كتنشئة البيت”.

وأشارت الى أن “هناك مدارس في الأماكن النائية أو في المناطق التي تعاني من الفقر وعدم انتشار الوعي، لا تزال غير مهتمة بصورة كافية. وفي لبنان عموماً، هناك أهمية كبيرة للموضوع، لكن نوع الخدمات المقدمة وجودتها يختلفان من مدرسة الى أخرى حسب المتطلبات لتوظيف أخصائي نفسي”.

موضوع الصحة النفسية لم يعد عيباً أو وصمة عار كما كان في السابق، ولكن التشخيص وتقبله يبقى موضوعاً آخر، بحسب دبوق التي أوضحت أن “الأهل بطبيعة الحال، لديهم نرجسية وعدم تقبل أن طفلهم لديه حالة معينة، وما زالوا يعتبرون التشخيص وكأنه علامة على أن الطفل يعاني من شيء خطير، وباتت هناك مبالغة في نوع التشخيص، اذ انّ البعض لا يستطيع تمالك نفسه، فيذهب فوراً الى التشخيص”.

كما أكدت دبوق أنّ “نوعية التشخيص والحالة تتفاوت، إذا كانت الحالة تتطلب تدخلاً شاملاً (holistic intervention) فهناك حاجة الى مراعاة وتدخل من معالج نفسي. وأصبح هناك وعي عند الأهل بضرورة متابعة الطفل، بينما ينظر بعضهم إلى أن المشكلة تكمن في الطفل نفسه، في حين أنها قد تكون من الأهل وانعكاسات تصرفاتهم عليه، ويجب أن يتقبلوا أن المشكلة في أوقات معينة قد تكون من جانبهم”.

بامكان المدرسة أو لجان الأهالي القيام بتنظيم ندوات وورش عمل، مع وجوب أن يكون هناك تعاون بين الطرفين والمعالجين والأخصائيين النفسيين، وفق دبوق التي نصحت بتنظيم دورات أو وحدات قياس عبر الانترنت يخضع لها الأهالي، بحيث تكون منهم للمدرسة ومن المدرسة لهم. فموضوع التوعية أصبح شديد الأهمية، والتوعية الدقيقة ضرورية، ويجب أن يكون المختص هو المخوّل بالتشخيص والعلاج.

وشددت على أنّ “التقييم النفسي المبكر من أهم الأمور التي يجب أن نركز عليها للأولاد والمراهقين، فكلما تداركنا المشكلة في سن صغيرة، كان التعامل معها أسهل عند الكبر، حيث نكون غالباً نعالج الأعراض وليس المرض بحد ذاته، ولكن في سن مبكرة يمكننا التدخل وتدارك الأمور”.

وقالت دبوق: “نحن نمتلك كادراً جميلاً وأشخاصاً يمتلكون طاقات، لكننا نفتقر إلى الامكانات اللازمة للتطور في هذا المجال. نحن بحاجة في لبنان إلى مزيد من التطور، سواء من الناحية السريرية أو الأكاديمية، من خلال تنظيم مؤتمرات أكثر واستضافة خبرات أكثر. كما أن النقابة الجديدة تقوم بعمل جيد جداً في هذا السياق. ويجب أن نتابع مستوى التدريب في الجامعة اللبنانية وغيرها من المؤسسات لضمان أن الكوادر التي تتخرج وتتلقى تدريباً في مراكز معينة هي كفاءات مؤهلة. العيادي النفسي مطلوب منه عدد كبير من التدريبات والمشاركة في مؤتمرات وندوات، بينما النفساني المدرسي لا يُطلب منه ذلك بصورة صارمة، فمن المهم أن تكون هناك متابعة مستمرة له”.

شارك المقال