موسم البطاطا في البقاع… الانتاج يتراجع والخسائر تسبق الحصاد

راما الجراح

بين التهريب وغياب الدولة، تتراجع قدرة المزارعين في البقاع على الصمود في وجه موسم زراعي جديد محكوم بالخسارة. في سهل البقاع، حيث الأرض لطالما عُرفت بخصوبتها، لم تعد زراعة البطاطا مشروعاً واعداً كما في السابق، بل تحوّلت إلى مغامرة يحكمها المجهول. فمع انطلاق موسم الحصاد، تهاوت أسعار البطاطا إلى مستويات غير مسبوقة، لا تتعدى الـ 5 آلاف ليرة للصندوق الواحد، أي ما يعادل أقل من سعر كلفة القطاف نفسه.

اللافت أن هذه الأزمة لم تولد اليوم، لكنها تزداد حدة عاماً بعد عام، وسط إصرار الجهات الرسمية على تجاهل الواقع الزراعي. فالمزارع اللبناني بات ينافس بطاطا مهرّبة من سوريا تُغرق السوق بأسعار متدنية، وسط غياب كامل لأي رقابة جمركية أو ضوابط استيراد. في النتيجة، يصبح الانتاج المحلي مكشوفاً في وجه منافسة غير عادلة، والمزارع هو الخاسر الأكبر.

يقول أبو علي، أحد مزارعي البطاطا في سهل البقاع، في حديث لـ”لبنان الكبير”: “زرعت 6 دونمات هذه السنة، وتكلفت أكثر من ألفي دولار على البذور والسماد والمازوت، واليوم نبيع الصندوق بسعر زهيد، حتى تكلفة القطف أعلى من ثمن البيع”. ويتابع بحرقة: “لا أحد يستجيب لنا من المعنيين وسط التهريب، والفوضى، وأملنا بالله”.

“إنه موسم منكوب بكل ما للكلمة من معنى”، يقول رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين إبراهيم الترشيشي، مشيراً في حديث لـ “لبنان الكبير” إلى أن “المساحة المزروعة بالبطاطا تُقدّر بحوالي ٦٠ ألف دونم، وكان يُفترض أن تنتج نحو ٢٠٠ ألف طن، إلا أن الانتاج المتوقع لن يتجاوز في أحسن الأحوال الـ ١٥٠ ألف طن، وذلك نتيجة شح الأمطار”.

هناك آلاف الدونمات التي لم ترتوِ كما يجب، ما جعلها عرضة للأمراض الفطرية وغيرها من الأمراض، بحسب ما يؤكد الترشيشي، الذي يرى أن هذا الموسم هو ضحية التقلبات المناخية، وشحّ المياه، وحتى الجفاف الذي أصاب لبنان في هذه السنة المطرية، ما أثّر بصورة كبيرة على نوعية الإنتاج الزراعي وحجمه، والذي من المتوقع أن يتراجع بنسبة تصل إلى ٥٠٪؜ مقارنةً بما كانت تنتجه المواسم السابقة.

ويؤكد أن “كل الأمراض تجمّعت هذا الموسم، والأسوأ من ذلك أنه على الرغم من قلة الانتاج وتراجعه، لا يزال المزارعون يعانون من الكساد وتكدس البضائع الزراعية نتيجة ضعف الاستهلاك المحلي من جهة، وإقفال أبواب التصدير إلى الخارج بصورة كاملة من جهة أخرى”.

ويعدد الترشيشي الكوارث التي ضربت القطاع الزراعي وأبرزها، عدم تسهيل عمليات التصدير وحصرها فقط بالطرق البحرية في ظل ارتفاع أجور الشحن البحري إلى أكثر من ضعفي ما كانت عليه ما ألغى أي إمكان للمنافسة، موضحاً أن “تكلفة شحن كونتينر من لبنان إلى جبل علي تُقدّر بحوالي ٥٥٠٠ دولار، بينما يحمّل التاجر السوري شاحنته بكلفة تقارب ٤٠٠٠ دولار فقط، وتصل خلال ٧ أيام، في حين أن الكونتينر اللبناني يحتاج إلى شهر كامل للوصول”. ويطالب الدولة وكل المعنيين بالتدخل لتخفيف حجم الخسائر عن كاهل المزارعين.

أمام هذا الواقع، أحجم التجار عن الشراء، وبات التصريف محصوراً بالسوق المحلية، فيما أصبح التخزين في البرادات هو الخيار الوحيد أمام المزارعين، ما يزيد من الكلفة أيضاً خصوصاً أن كلفة التبريد هذا العام مرتفعة بفعل زيادة الحاجة إلى البرادات وارتفاع أسعار المحروقات، ما يؤثر مباشرة على كلفة التبريد والتخزين.

شارك المقال