إنقضت المهلة المخصّصة لوثيقة المجلس البلديّ في طرابلس، التي وقّعها 13 عضوًا عقب “هزّة” مرّت بها المدينة بعد الانتخابات البلدية الأخيرة. وقد أدّت تلك الانتخابات إلى استقالة 12 عضوًا بسبب خلافات حول هوّية رئيس البلدية بيْن اللوائح المتنافسة، وكادت أنْ تحلّ المجلس. ولكن، بعد مفاوضات ولقاءات سياسية ودينية ترأسها مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمّد إمام، طرح أحد المجتمعين فكرة “خارطة طريق” تمتدّ لمائة يوم، وتهدف إلى إبقاء المجلس البلديّ على رأس عمله، مع منح الأعضاء المستقيلين الحقّ في تقييم العمل واتخاذ القرار المناسب لهم بعد انقضاء هذه المدّة.
وركّزت الوثيقة، التي تضمّنت سلسلة من البنود، على ضرورة فصل العمل البلدي عن الحسابات السياسية، وذلك للانطلاق برؤيةٍ جديدة يستعيد بها أهالي طرابلس ثقتهم بمجلسٍ بلدي يُعاني من الاهتراء الإداري والتنظيمي منذ أكثر من عشرة أعوام.
وبينما كان أبناء المدينة يترقّبون انقضاء مهلة المائة يوم وما ستُحقّقه من إنجازات أو خطوات على أرض الواقع، يُمكن التأكيد عدم تسجيل أيّ خلاف بيْن الأعضاء حتّى الآن يُعرقل العمل البلديّ ومشاريعه في ثاني أكبر مدينة لبنانية، كما لم يطرح أيّ عضو مسألة الاستقالة مجدّدًا، ممّا يُشير إلى رضاهم عن الواقع البلدي بعد توقيع الوثيقة. أمّا الخلافات السابقة حول بعض البنود الذي أُضيف أو عُدّل عند التوقيع، فكانت على خلفية منافسة شرسة بيْن العضويْن الدكتور عبد الحميد كريمة (من لائحة “رؤية”) والمهندس وائل زمرلي (من لائحة “نسيج طرابلس”). وقد تولّى كريمة رئاسة البلدية وإدارة شؤون المجلس، فيما تولّى زمرلي رئاسة اتحاد بلديات الفيحاء، تطبيقًا لما وُعدت به اللائحة عند توقيع الوثيقة التي نصّت على تولّي أحد أعضائها رئاسة الاتحاد في طرابلس.
وقد لا تكون المنافسة وحدها بيْن الشخصيتيْن هي السبب الوحيد للمشكلات أو الأزمة القائمة، خصوصًا وأنّ مشكلة ثقة المواطنين بالمجلس هي الأبرز حاليًا. ومع مراقبة خطوات بعض الأعضاء، يُمكن القول إنّ المجلس يُظهر تفاعلًا إيجابيًا مع بعض الملفات أو عند اللجان التي يُؤدّي رؤساؤها دورهم بشكلٍ جيّد عمومًا. ولكن بصورة عامّة، وحسب معطيات المجلس لـ “لبنان الكبير”، فإنّ مهلة المائة يوم غير كافية للحُكم على مجلسٍ مرّ بتسع سنوات عجاف، وبإدارة كانت شبه متدهورة إداريًا وتنظيميًا على مستويات عديدة. هذه الإدارة تحتاج إلى وقت أطول لإصلاح الأمور وجعلها تسير في المسار الصحيح، إذْ أنّ مهلة المائة يوم تُمنح في الظروف العادية، وليس في حالة استثنائية كحالتنا. ومع ذلك، نؤكّد أنّ نيّة العمل موجودة من جهة، والعمل قد بدأ بالفعل في ملفات عديدة من جهة ثانية”.
وفي ظلّ انتظار أهالي طرابلس للنّتائج المرجوّة من تحرّكات البلدية، لا سيما في ما يتعلّق بملفيّ المولدّات الكهربائية والفواتير البلدية، تبرز نقطتان أساسيتان: الأولى، تتعلّق برفضهم ترسيخ مشروع العدّادات الكهربائية أو ارتفاع تسعيرة الأمبير شهريًا، والثانية تتعلّق بشكاوى عدد من المواطنين حول الفواتير. وخلال هذه الفترة، سعت البلدية إلى اتخاذ خطوات عدّة منها:
إزالة المخالفات، التعدّيات والعوائق الحديدية من الشوارع (التي تظهر باستمرار)، مصادرة الدراجات النارية المخالفة المزوّدة بمضخّمات صوت معدّلة، العمل على التخلّص من الإطارات التالفة، مداهمات صحية، إطلاق التطبيق الرسميّ لشرطة البلدية لتسجيل الشكاوى والملاحظات، افتتاح الملاعب البلدية الثلاثة بعد ترميمها، إطلاق خدمة الوساطة لحلّ النزاعات بيْن المواطنين بعيدًا عن أروقة المحاكم، وأخيرًا إعفاء أصحاب “الهمم” من رسوم الدخول إلى معرض رشيد كرامي الدّولي طيلة أيّام الأسبوع، وذلك بعد التنسيق مع البلدية. ويأتي هذا القرار استجابة لكتابٍ أصدره رئيس لجنة ذويّ الإعاقة، المحامي عبد الله زيادة، الذي صرّح لـ “لبنان الكبير”: “”تقدّمت بكتاب إلى رئيس البلدية لمخاطبة إدارة المعرض لإعفاء بموجبه أصحاب الاحتياجات الخاصّة من رسم الدّخول، وبناء على كتابي، وجّه الرّئيس كريمة كتابًا لتُصدر إدارة المعرض قرارات سمحت بدخولهم مجانًا”.
ولعلّ أبرز ما حدث هو معركة بدأت قبل شهر لاسترداد حقوق البلدية، خصوصًا الأراضي التي “استولت” عليها وزارة الطاقة بحجّة أنّها مجارٍ وأقنية وسواقٍ. وقد تبيّن أمام عضو المجلس، عبد الله زيادة (الذي يُتابع الملف مع المجلس)، أنّ البلدية كانت تقوم منذ نشأتها ولسنوات طويلة ببيع المجاري والأقنية والسواقي الملاصقة للعقارات، بعد إسقاط صفتها كملك عام بلدي وتحويلها إلى ملك خاص بلدي، وذلك عملًا بأحكام قانون البلديات وقانون الأملاك العمومية رقم 144. وكانت البلدية تقوم بهذا الإجراء بعد أن جفّت هذه الأقنية والسواقي تمامًا، وكانت إيرادات بيعها تُغذي خزينة البلدية. لكن في العام 2010، عندما تسلّم الوزير جبران باسيل وزارة الطاقة والمياه، اعتبرت الوزارة هذه المجاري والأقنية والسواقي ملكًا عامًا للدّولة وليس للبلدية، ممّا يُعدّ مخالفة للقوانين.


