أثار قبول “مجلس شورى الدّولة” للطعون المقدّمة من بعض الأعضاء الخاسرين في انتخابات بلدية طرابلس الأخيرة جدلًا واسعًا في المدينة التي فوجئت بتعديل النّتائج منذ ساعات، ممّا أحدث “خضّة” أعادت خلط الأوراق البلدية والسياسية مرّة جديدة، ودفعت بالكثير من الفعاليات الشماليّة إلى الحديث عن تغييرات “حاسمة” في مقاعد المجلس البلديّ الذي انطلق بعمله فعليًا بجهودٍ وتعاون جماعيّ لا يخفى على أحد.
إنّ قرار قبول الطعون الذي أقرّ بخسارة كلّ من عمّار كبارة وجلال الست، وفوز محمود سليمان ورنا العلي بدلًا منهما، وهما عضوان من لائحة “نسيج طرابلس”، أضفى جوًا من الفرح لا سيما لدخول سيّدة إلى مجلسٍ يفتقر للعنصر النّسائيّ فيه، كما أدخل القرار البهجة إلى منطقة جبل محسن لأنّه أعلن انخراط عضويْن من الطائفة العلوية في المجلس، ليرتفع عدد الأعضاء العلويين فيه إلى ثلاثة (إضافة إلى المحامي عادل عثمان). هذا التقدّم اللافت الذي يُسجّله الجبل على الصعيديْن البلدي والاختياريّ، دفع أهالي المنطقة إلى مقارنة وضعهم الحاليّ بوضعهم المأساوي الذي فرضه النظام السوري السابق. ومع ذلك، وفي ظلّ الواقع الميداني، أدّت النّتائج نفسها إلى انقسام الرّأي العام في طرابلس إلى فريقيْن.
الفريق الأوّل، رحّب وبارك بقرار قبول الطعون، واعتبره خطوة نحو إرساء مبدأ سيادة القانون، الذي يستند بصورة رئيسية وشرعية إلى الحُكم المرتقب إصداره من “مجلس شورى الدّولة”. في المقابل، رأى الفريق الآخر، أنّ هذا التغيير سيُبدّل “الحسبة” في المجلس البلديّ، وأشاروا إلى أنّ لائحة “نسيج” المدعومة من النّائب إيهاب مطر تمكّنت من حصد 12 مقعدًا بعد قبول الطعون، متقدّمة على لائحة “رؤية” المدعومة بتحالف النّائبين أشرف ريفي وفيصل كرامي، التي تراجعت لتحصد 11 مقعدًا، إضافة إلى مقعدٍ واحد لإبراهيم عبيد (لائحة حراس المدينة)، ممّا دفع البعض إلى التساؤل حول قدرة الدكتور عبد الحميد كريمة، وهو رئيس بلدية طرابلس، على البقاء في منصبه من جهة، وحول حجم تأثير هذه الطعون في سير العمل البلدي من جهةٍ ثانية.
وقد عبّر النّائب مطر عن تأييده للقرار في تغريدةٍ قال فيها: “عاد الحقّ لأصحابه، وأخذ القانون مجراه بكلّ مصداقية وشفافية. إنّها لحظة مفصلية في تاريخ المدينة، لأنّ صوت دولة القانون يعلو كلّ الأصوات”. وفي ظلّ غياب التصريحات المنتظرة من النّائبيْن كرامي وريفي، تُشير المعطيات إلى أنّ النّائبيْن ينتظران الخطوة المقبلة من العضويْن الخاسريْن وما سيُصدره مجلس الشورى في قراره النّهائيّ في حال تقدّم الخاسران بالطعن.
وأفادت معطيات من بلدية طرابلس، بأنّ الجميع يترقّب تداعيات القرار الذي يسري لمدّة خمسة أيّام من تاريخ إصداره. ومع ذلك، سواء طُعن بالقرار أم لا، فإنّ المجلس البلديّ لن يتأثّر جوهريًا في هذه التغييرات، وذلك لحرصه الشديد على تماسكه وتعاونه الذي يُرصد في الملفات المختلفة، وهو أمر لم تشهده البلدية في المجالس السابقة، وعليه، فإنّ الحديث عن إقصاء أيّ عضو، مخالف لأهواء المجلس كلّه والذي يصف نفسه بأنّه منسجم ويرفض السيناريو المتداول حول تطيير كريمة، لأنّه يفتح الباب نحو التعطيل.
المحامي عبد الله زيادة، وهو عضو في المجلس البلديّ، يُوضح عبر “لبنان الكبير” تفاصيل ما صدر عن مجلس شورى الدّولة، قائلًا: “أحد قضاة الهيئة في مجلس الشورى، وهو القاضي المقرّر، أودع تقريره حول نتيجة الطعون قبل ساعات، وأعلن فوز رنا العلي ومحمود سليمان وخسارة عمّار كبارة وجلال الست. وبالتالي، إنّ هذا التقرير ليْس نهائيًا، إذْ يُمكن للعضويْن اللذيْن طُعن بعضويتهما التعليق عليه خلال خمسة أيّام من تاريخ نشره، ويُمكنهما إيداع تعليقيهما لدى قلم المجلس، لتُصدر الهيئة بعد ذلك الحُكم الذي قد يكون مطابقًا للتقرير كلّيًا أو جزئيًا، أو قد لا يكون مطابقًا له أساسًا إذا أغفل المقرّر بعض النواحي القانونية أو الواقعية، أيّ أنّ هناك آلية قانونية تسبق إصدار الحُكم، والذي أتوقّع أنْ يستغرق شهرًا ليصدر فعليًا، لذلك، علينا انتظار حكم هيئة مجلس شورى الدّولة في الحالات جميعها، والذي سيصدر في حال أرسل العضوان تعليقيهما أم لا”.
وعند سؤاله عن تأثير هذه التغيّرات في نتائج انتخابات رئيس البلدية ونائبه، رأى زيادة أنّ أيّ محاولة لطرح هذا الموضوع تُعدّ تخريبية، ويقول: “كلنا خلف الرّئيس كريمة وندعمه، والانتخابات ولّت، واليوم نعمل بجدّية ضمن مجلس منسجم ومتناغم لتحقيق أهدافه”.


