إن التحولات الجيوسياسية الكبرى التي تمرّ بها المنطقة تجعل من لبنان في موقعٍ حساس يتطلّب منه تفعيل دوره بشكل استراتيجي ومؤثّر. ووسط هذه الأحداث العاصفة التي تعصف بالمنطقة، يصبح السؤال الأهم: أين موقع لبنان في الخريطة الجيوسياسية الجديدة؟ وكيف يمكن للبنان أن يستفيد من التحولات الدولية والإقليمية لمصلحته الوطنية؟ إن الاعتماد على الماضي أو العودة إلى حلول تقليدية لا يتناسب مع التحديات الحالية، لذا لا بدّ للبنان من استكشاف مكانٍ جديد له في هذه الخريطة وترسيخ موقعه في الاستراتيجيات الإقليمية والدولية.
استثمار الاهتمام الدولي
في ظل التحولات الإقليمية الكبرى، لا ينبغي للبنان أن يُترك خلف الركب، بل عليه أن يستثمر الاهتمام الدولي المتزايد به. فمنذ فترة، يركّز الغرب وأميركا على عدّة أولويات، مثل تعزيز الأمن القومي الأوروبي، وحماية قبرص من تدفّق اللاجئين، واحتواء التهديدات الأمنية على حدود إسرائيل، في حين أنّ لبنان، بفضل موقعه الاستراتيجي، قادر على أن يكون حلقة وصل مهمّة في هذا السياق. بل يمكنه أن يلعب دورًا محوريًا في إعادة إعمار غزة وسوريا، وهو ما يفتح أمامه فرصًا كبيرة في المجالين الاقتصادي والسياسي، ويعزّز مكانته على الساحة الدولية.
لكن لبنان، كدولة، يحتاج إلى التأكيد على استقرار مؤسساته الرسمية والحفاظ على سيادة الدولة، والعمل على تعزيز اللحمة الداخلية من خلال المواطنة الحقيقية التي تقوم على احترام الدستور وحماية مؤسسات الدولة. وهذا يتطلب دعمًا خارجيًا مستمرًا لتعزيز الاستقرار الداخلي وحماية الحدود، خصوصًا في ظل التحديات التي يواجهها لبنان على حدوده الجنوبية مع إسرائيل، حيث يبقى ملف تسليح حزب الله محورًا من محاور التوتر الإقليمي.
ضرورة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز السيادة
إن اهتمام لبنان بالمؤسسات الرسمية وحمايتها أمر بالغ الأهمية في هذا السياق. فمن الضروري أن يبقى لبنان موحّدًا حول مفهوم الدولة الواحدة التي يحكمها الدستور، ويُطبَّق فيها القانون بشكل موحّد على جميع مواطنيه، بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية أو تدخلات مذهبية. كما أنّ حماية الجيش اللبناني، الذي يُعدّ خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة، جزء أساسي من الاستراتيجية الوطنية.
وإذا استطاع لبنان تعزيز استقراره الداخلي، فإنه سيتمكن من المشاركة الفاعلة في إعادة الإعمار في غزة وسوريا، والمساهمة في مشاريع التنمية الإقليمية، وبناء علاقات اقتصادية وشراكات استراتيجية مع القوى الدولية الساعية إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة. وهذا من شأنه أن يوفر للبنان فرصًا اقتصادية إضافية، ويعزّز دوره كعامل دعم للاستقرار الأمني في الشرق الأوسط.
المشروع العربي بقيادة السعودية
اليوم، نرى بوضوح المعركة الجديدة التي تخوضها الدول العربية، بقيادة السعودية والدول المعتدلة الأخرى، في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية. فهناك مشروع عربي يهدف إلى تعزيز الاستقرار الأمني والاقتصادي في المنطقة من خلال بناء شراكات اقتصادية مشتركة وتوسيع إطار التعاون بين الدول العربية. ويُعدّ هذا المشروع خطوة أساسية نحو تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في الإقليم.
وفي هذا السياق، تُعتبر القضية الفلسطينية جزءًا محوريًا من هذه المعادلة، إذ تسعى الدول العربية إلى تسوية هذا الصراع التاريخي بما يخدم استقرار المنطقة. وفي النهاية، يبدو أنّ إسرائيل ستكون مضطرة إلى القبول بقيام دولة فلسطينية، وإن كانت تسعى إلى تقليص مساحة الأراضي الفلسطينية وتقسيمها، وفرض شروط جديدة مثل نزع السلاح، بما يخدم مصالحها الأمنية.
الدور الأميركي والإسرائيلي في المنطقة
يُعدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رجل صفقات ومصالح، ومن هنا يبرز الدور الإسرائيلي في الصراع الجيوسياسي، إذ تحاول إسرائيل تعزيز أمنها وحماية حدودها من التهديدات الإقليمية، وهو ما يستدعي، وفق رؤيتها، التمسّك بمصالحها في كل التحولات الإقليمية. فإسرائيل تعتبر أنّ وجودها الفاعل في المنطقة ضروري لاستمرار أمنها واستقرارها، ولا سيما في ظل التحديات التي يفرضها المحور الإيراني، الذي يشكل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا على حدودها.
لكن أميركا لا تريد أن تكون مصالحها على حساب إسرائيل فقط، بل تسعى إلى تحقيق توازن بين ضمان أمن إسرائيل وبين حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. وهنا، يمكن للبنان، بموقعه الاستراتيجي ومؤسساته الفاعلة، أن يكون جزءًا من هذه المعادلة الجديدة، إذا حافظ على توازن داخلي يسمح له بأن يكون عنصر استقرار بدل أن يكون ساحة صراع.
موقع لبنان في الجيوسياسة الجديدة
السؤال الأهم: أين موقع لبنان في هذه التحولات الجيوسياسية الكبرى؟ إن لبنان لا يستطيع أن يبقى خارج هذه الدينامية، بل يجب أن يكون جزءًا فاعلًا منها، من خلال الحفاظ على استقراره الداخلي، وتعزيز دوره في إعادة إعمار سوريا وغزة، والمشاركة في مشروع الاستقرار الإقليمي الذي تقوده السعودية والدول العربية المعتدلة.
وعلى لبنان أن يحافظ على استقلاليته السياسية، وأن يبتعد عن الانجرار وراء المحاور الإقليمية التي قد تجرّه إلى صراعات جديدة. فالتمسّك بالدستور، وتعزيز سيادة الدولة، وعودة لبنان إلى الساحة الدولية كعامل استقرار، هو الطريق الأمثل للمضي قدمًا في هذه المرحلة الحساسة من تاريخه.


