“تريّثوا” كانت الكلمة المفتاح التي تكرّرت في بيانات كلٍّ من حزب الله والجيش اللبناني وحركة أمل، في محاولة لضبط حركة العودة إلى القرى الحدودية الجنوبية مع استمرار المخاطر الأمنية والعسكرية. غير أنّ أهالي الجنوب، الذين أبعدتهم الحرب نحو 45 يوماً عن بلداتهم وأراضيهم، لم يستطيعوا انتظار المزيد. فحنينهم إلى منازلهم وأرزاقهم، وقلقهم على ما تركوه خلفهم، كان أقوى من كلّ التحذيرات.
على الرغم من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، وأصوات التفجيرات والقصف المدفعي التي لم تهدأ بالكامل، بدأ الأهالي بالعودة تباعاً إلى قراهم. لم تمنعهم الطرقات المقطوعة ولا الجسور المهدّمة التي دمّرتها الغارات، فاختار بعضهم سلوك طرق ترابية وعرة، فيما اضطر آخرون لعبور الأنهار للوصول إلى بلداتهم.
العودة لم تكن طبيعية، فالقرى التي استقبلت أبناءها بدت مثقلة بآثار الدمار، والمنازل المتضرّرة والبنى التحتية المنهكة شكّلت واقعاً قاسياً واجهه الأهالي فور وصولهم. ورغم ذلك، فضّل كثيرون البقاء قرب أرضهم، ولو في ظروف غير آمنة، على الاستمرار في النزوح والانتظار بعيداً عنها.
وحتى اللحظة، لم تُحسم صورة الهدنة المؤقتة بين إيران والعدو الإسرائيلي، كما أنّ وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية لا يزال هشّاً وقابلاً للاهتزاز في أي وقت. إلا أنّ مشهد عودة الأهالي أعاد نبض الحياة إلى الجنوب، في رسالة واضحة بأن العلاقة بين الجنوبيين وأرضهم تتجاوز الحرب والدمار وكل حسابات الخطر.
في مدينة صور التي تلقّت أعنف الغارات في الدقائق الأخيرة من وقف إطلاق النار المؤقت، يقول نائب رئيس بلديتها علوان شوف الدين عبر “لبنان الكبير” إن: “مدينة صور لا تزال تحت وطأة مرحلة انتقالية دقيقة عقب إعلان وقف إطلاق النار، حيث يواصل عدد من الصامدين والنازحين البقاء في منازلهم أو مراكز نزوحهم، في وقت تبدأ فيه عودة خجولة ومترددة لبعض الأهالي إلى المدينة وقضائها.”
ويؤكد أن: “شريحة من السكان التزمت بالتوجيهات الرسمية وفضّلت التريّث، مقابل استقرار يتراوح بين 15 و20 في المئة ممن عادوا إلى منازلهم، فيما اختار آخرون المغادرة مجدداً بعد أخذ حاجياتهم الأساسية.”
ويشير إلى أن: “الحركة الاقتصادية، وإن شهدت تحسّناً طفيفاً مع إعادة فتح عدد من المحال التجارية، لا تزال دون المستوى المطلوب وتعكس حالة الحذر التي تسيطر على المشهد العام.”
أما في ما يتعلّق بالأضرار، يوضح شوف الدين أن: “الفارق في حجم الدمار لافت، إذ سُجّل خلال حرب عام 2024 نحو 55 غارة، بينما أسفرت هذه الحرب عن تدمير 13 مبنى، من بينها 6 مبانٍ في الغارات الأخيرة، فضلاً عن تنفيذ 6 غارات بواسطة طائرات مسيّرة.”
في النبطية وقضائها، ارتُكبت مجازر عدة بحق المدنيين وعناصر الأمن العام، ناهيك عن الدمار الذي نتجت عنه الغارات في بلدات عدة وفي شارع النبطية الرئيسي.
في السياق، يقول رئيس بلدية النبطية عباس فخر الدين عبر “لبنان الكبير” إن: “تشهد مدينة النبطية حركة تعافٍ تدريجية يوماً بعد يوم، حيث أعادت بعض المحال التجارية فتح أبوابها وعادت الحركة إلى شوارع المدينة، وإن بقي عدد المقيمين بشكل دائم محدوداً. فعدد من الأهالي يزورون منازلهم نهاراً لتفقدها وتنظيفها قبل مغادرة المدينة ليلاً، تخوفاً من أي تطورات أمنية محتملة خلال فترة الهدنة.”
وعلى صعيد الخدمات، يؤكد فخر الدين أن: “بقي الاشتراك الكهربائي متوافراً ولم ينقطع حتى خلال فترة الحرب، فيما تتواصل أعمال إصلاح شبكة المياه بالتعاون مع شركة مياه الليطاني لمعالجة الأعطال وإعادة الضخ تدريجياً. أما كهرباء الدولة، فمن المرتقب أن ينهي العمال غداً أعمال تصليح خط التوتر العالي، تمهيداً لعودة التغذية الكهربائية إلى الأحياء بشكل تدريجي.”
ويشير إلى أن: “تستمر ورش البلدية والجهات المعنية برفع الأنقاض والنفايات وفتح الطرقات، وقد توسّعت بتكليف من مجلس الجنوب، في وقت يترقب فيه الأهالي استقرار الوضع الأمني بشكل كامل لبدء عودة أوسع للسكان إلى المدينة.”
ووفقاً له، فإن نسبة الدمار أقل من الحرب الماضية التي شهدت أكثر من 160 غارة، أما في هذه الحرب فهي تقارب الـ60 غارة، وعلى الرغم من ذلك، فإن مولدات الاشتراك لم تنطفئ حتى خلال الحرب، ولا نزال يومياً نعمل على توفير كافة الخدمات للمواطنين.
ويلفت فخر الدين إلى أن: “الناس في حالة قلق وترقّب، لكنها تقول: ‘عالقليلة قاعدة ببيتي’، فهذا هو الجنوبي متعلّق بأرضه وعاشق لها.”
على ما يبدو أن مسار المفاوضات يتّجه نحو التأجيل، بالتوازي مع تصعيدٍ ميداني تمثّل بإطلاق حزب الله صواريخ باتجاه جنود العدو في ربّ الثلاثين، وفق ما أورد إعلام العدو. مؤشرات تعيد طرح السؤال بقلقٍ أكبر: هل بدأت الهدنة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟ وهل تتحوّل عبارة «رافقتكم السلامة» من أملٍ بالعودة إلى تحذيرٍ بمغادرةٍ جديدة؟ وهل سيجد الجنوب نفسه مرةً أخرى مضطراً لأن يودّع أبناءه تحت وطأة التصعيد؟


