مع توقيع وزير الأشغال العامّة والنّقل فايز رسامني اليوم من حرم مرفأ طرابلس، وثائق المناقصة الخاصّة بمشروع تحديث وتصميم خطّ سكّة الحديد الممتدّ من المدينة وصولًا إلى منطقة العبّودية على الحدود اللبنانية- السورية، تتجدّد آمال الطرابلسيين في استعادة “مجد” هذه السكّة التي تحوّلت إلى “غنيمة” في أيدي تجّار الخردة أو إلى مجرّد ذكرى مهترئة وذلك منذ توقّف حركة القطار خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
وقد استُقبل رسامني صباحًا بلافتات ترحيبية عند مدخل المرفأ، كُتب عليها شعارات عدّة: “خطوة جديدة نحو إعادة إحياء سكك الحديد في لبنان”، “نحو لبنان مترابط بشبكات نقل حديثة ومستدامة”، “تعزيز موقع طرابلس كمركز لوجيستيّ محوريّ على شرق المتوسّط”.
وفي الواقع، تعكس هذه اللافتات الموقّعة من المرفأ، تطلّعات أبناء طرابلس لإحياء مرافق المدينة عبر مشاريع مستدامة، تُسهم في دعم اقتصادها وتعزيز دورها المحوريّ في المنطقة.
يُمكن القول، إنّ اكتمال دراسة تحديث دفتر شروط المشروع، والتي يُفترض أنْ تجهز خلال ستّة أشهر (وفق الوزير)، قد تفتح مرحلة جديدة تُحيي مرافق الشمال كافّة، لتُصبح دعامة اقتصادية لا غنى عنها في المنطقة.
*الزيارة والمناقصة*
تضمّنت الزيارة اليوم عقد سلسلة من الاجتماعات لاستعراض أهداف المشروع الاقتصادية واللوجستية، لا سيّما تعزيز مكانة مرفأ طرابلس كمركز نقل إقليمي، وتوفير بديل لوجستي تنافسي عبر السكك الحديدية، ممّا يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتطوير قطاع النّقل الذي يُواجه تحدّيات جمّة، خصوصًا في ظلّ إغلاق مضيق هرمز والاضطّرابات المحيطة به.
وأعلن الوزير أنّ فكرة إحياء السكك، جاءت عقب توقيع بروتوكول تعاون قبل أشهر، بيْن مصلحة سكك الحديد والنّقل المشترك وإدارة مرفأ طرابلس، مؤكّدًا أنّ العمل جار حاليًا لتحديث دفتر شروط المشروع من خلال مراجعة الدّراسات والمشاريع السابقة التي تعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مشدّدًا على أنّ التطوّرات العالميّة الرّاهنة تُبرز فعليًا أهمّية شمال لبنان وموقعه الاستراتيجيّ.
وفي حديثٍ لموقع “لبنان الكبير”، أكّد المدير العام للنّقل البري والبحري ومدير مرفأ طرابلس الدّكتور أحمد تامر، أنّ المشروع يحمل أبعادًا لوجستية واقتصادية تربط المرفأ بالعمق العربي والإقليمي، موضحًا أنّ العمل اليوم يندرج ضمن إطار سياسات الأمن اللوجستيّ العربي التي تمنح المرفأ والمرافق الحيوية في طرابلس والشمال دافعًا كبيرًا.
ويرى تامر أنّ مشروع إحياء السكك الحديدية المدعوم أساسًا بالموقع الجغرافي المتميّز لكلّ من لبنان وسوريا، يتطلّب بنية تحتية متطوّرة تُسهم في توفير الوقت والتكلفة.
ويُضيف قائلًا: “انطلق معالي الوزير فايز رسامني من رؤية اقتصادية واستراتيجية شاملة ستُحدث فارقًا ملموسًا عبر ربط المرافق ببعضها وتفعيل التعاون الاقتصادي، ونحن نعمل حاليًا وفقًا لتوجيهاته القيّمة. وهذه الرؤية تهدف إلى تعزيز الكفاءة اللوجستية لخدمة التجارة في ظلّ التحوّلات الإقليمية الرّاهنة. وبناء على ذلك، سيعتمد المرفأ على شركاء استراتيجيين، وهم: المنطقة الاقتصادية الخاصّة بطرابلس، مطار الرّئيس رينيه معوّض (القليعات)، وسكة الحديد حيث ستتكامل أدوارهم وذلك بالتنسيق مع غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس ولبنان الشمالي”.
وعن المشروع الذي لن يتقاطع مع أيّة تعدّيات على خطوط السكك الحديدية القائمة من طرابلس إلى العبّودية، يُُتابع: “أُعدّت دراسات عديدة لسكك الحديد كان آخرها العام 2018. ونظرًا للمتغيّرات التي طرأت، حيث لم تكن المنطقة الاقتصادية أو المطار مثلًا ضمن تلك الدّراسات سابقًا، بيْنما يمرّ مسار السكك اليوم عبر هذيْن المرفقيْن، فقد طُلب الاطّلاع على هذه الدّراسات. وعقب مراجعة دراسة الجدوى وفحص مسار السكّة، وغيرها من التفاصيل، تمّ إعداد دفتريّ شروط، الأوّل، بيْن المرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصّة، وهو يُحدّد شروط الاستثمار عبر دراسة مشتركة، والثاني يرتبط بسكك الحديد ويجري حاليًا العمل على تحديثه بالاستعانة باستشاري عالمي وذلك بناء على رؤية إقليمية جديدة تأخذ بالاعتبار ضرورة إيجاد بدائل لوجستية في المنطقة، خصوصًا في ظلّ إغلاق مضيق هرمز أو التهديد بإغلاق مضيق باب المندب”.
ويُشير تامر إلى زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى دمشق منذ أسبوع، حيث رافق الوفد إلى سوريا، مؤكّدًا أهمّية الزيارة التي فتح خلالها الوزير رسامني ملف سكك الحديد ومشاريع اقتصادية محورية أُخرى، مطالبًا بإدارج لبنان ضمن شبكة الخطوط الإقليمية لسكك الحديد، وهو ما لاقى تجاوبًا ملحوظًا من الجانب السوري”.
ويختم تامر قائلًا: “إنّ تفعيل أو تطوير قطاع النّقل بالسكك الحديدية سيُخفّض من تكاليف النّقل، ويُعدّ وسيلة أكثر كفاءة لشحن البضائع، مما سيُعزّز الحركة التجارية ويُسرّعها، كما سيُؤدّي دورًا استراتيجيًا في تحويل منطقتنا إلى قوّة منافسة وفق معايير عالمية”.


