يشهد المحور الذي تقوده إيران شعوراً إيجابياً لم يعهده منذ أشهر طويلة بعد التوقيع على مذكرة التفاهم مع واشنطن؛ فهو يشعر أنه نجا من حرب ضروس وشاقة، رغم الضربات غير المسبوقة التي تلقّاها في إيران ولبنان، مثبتاً نفوذه الكبير في المنطقة، حيث يجلس ممثلو النظام الإيراني الذين كانوا على لائحة الاغتيال في غرفة واحدة مع المسؤولين الأميركيين.
وتراقب تل أبيب بقلق بالغ هذا المشهد الذي لم تتخيّله وهي تحرّض وتخطط وتنفّذ عملية “زئير الأسد” مع الأميركيين ضد إيران. ولا يمكن إخفاء الصدوع التي تتسع في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن حول “المذكرة” بين الولايات المتحدة وإيران، وحول جدوى عملية “زئير الأسد” التي كان من المفترض — حسب المخيلة الإسرائيلية — أن تُسقط النظام الإيراني وتغيّر جذرياً الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل، لكن يبدو أنها أفضت إلى أوضاع أسوأ بكثير مما كانت عليه في 28 شباط.
وأكثر ما يُقلق إسرائيل هو استعداد إدارة ترامب للتحرك بسرعة نحو تسوية كبيرة مع إيران، وتقييد نشاطها العسكري في لبنان، والمسار والترتيبات الدبلوماسية التي تتشكّل في لبنان برعاية أميركية، والتي تتم صياغتها بلغة مختلفة تشمل: الآليات وخفض التوتر والمفتشين الدوليين والضمانات والتنسيق والمناطق التجريبية في لبنان.
ويرى المراقبون أن القيادة الأميركية حالياً تمشي في مسار ومنطق مختلفين عن نتنياهو والصورة التي رسمتها تل أبيب حول دفع واشنطن للنظام الإيراني إلى نقطة انهيار ساحقة، فإذ بها أمام مذكرة تفاهم شكّلت صدمة قوية لها: لا تتضمن تصفير البرنامج النووي ولا استسلام إيران.
فخلال الأشهر الأخيرة، ترسّخت في إسرائيل قناعة بأن الضغط العسكري والاقتصادي الهائل سيؤدي إلى انهيار النظام الإيراني بالكامل، أو قيام انتفاضة شعبية كاسحة ضده؛ لذلك حرّضت إسرائيل واشنطن خلال “زئير الأسد” على استخدام قوة نارية غير مسبوقة تشمل ما هو أبعد من أصول البرنامج النووي والأصول العسكرية، وصولاً إلى الأصول الاقتصادية وإلحاق شلل كلي بقطاع الطاقة والبنية التحتية للدولة الإيرانية.
لكن هذا لم يحدث، وإذ بواشنطن تُدشّن مساراً جدياً حول كيفية إنهاء الأزمة مع طهران دون التورط في خلق أزمة أكبر، حيث إن مذكرة التفاهم مع طهران لم تكن اتفاقاً نووياً بالدرجة الأولى، بقدر ما هي اتفاق يهدف إلى استقرار نظام دولي بدأ يتدهور.
وبرأي إيال كوهين، وهو مسؤول إسرائيلي كبير عن العلاقات الخارجية، فإن الخلاف الحالي بين تل أبيب وواشنطن لا ينبع من نزوة سياسية أو تغيير مفاجئ في موقف الولايات المتحدة من إسرائيل، بل ينبع من فجوة أعمق لطالما رافقت العلاقات بين الدول الصغيرة والدول العظمى عبر التاريخ.
إسرائيل تنظر إلى الشرق الأوسط من داخله، بينما تنظر القيادة الأميركية من داخل نظام عالمي أوسع بكثير، يشمل حرية الملاحة في الخليج، واستقرار سوق الطاقة العالمي، وأسعار سلاسل الغذاء، والعلاقات مع دول الخليج التي لا تستطيع تحمّل تكلفة انهيار نهائي للنظام الإيراني، وقائمة طويلة من المصالح العالمية التي كلما طالت الأزمة تضرّرت بشكل بالغ.
بالنسبة لتل أبيب، القضية الإيرانية هي محور التفكير الاستراتيجي، ولكن بالنسبة لواشنطن، إيران لاعب خطير في المنطقة، إلا أن التحديات الاستراتيجية في مكان آخر: في التنافس مع الصين والذكاء الاصطناعي، وفي التكنولوجيا التي ستحدد بنية القوة العالمية.
وبرأي كوهين، فإن “مفارقة النصر” هي أهم نقطة للتوتر بين الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية: عندما يصبح انهيار العدو تهديداً استراتيجياً أكثر كلفة من بقائه!
وبهذا المعنى، لا يقتصر قلق القيادة الأميركية على قدرة إيران على إلحاق ضرر كبير بالنظام الإقليمي، بل يمتد إلى العواقب الصعبة لانهيارها السريع. وربما تكون هذه إحدى المفارقات الكبرى، حيث تُظهر التجربة التاريخية أن تكلفة السقوط السريع للأنظمة تفوق أحياناً فائدة النصر نفسه.
فقد علمت التجارب واشنطن أن ليس كل انهيار للعدو يُعدّ بالضرورة نصراً، وقد أظهرت تجارب العراق وأفغانستان أنه يمكن لانهيار النظام أن يتحوّل إلى أزمة إقليمية واسعة تتطلب سنوات من التدخل الخارجي واستنزاف الموارد وإدارة مستمرة لعدم الاستقرار.
لقد تركت التجربة الأميركية في أفغانستان والعراق ندبةً عميقة لدى صنّاع القرار في واشنطن، فقد أوضحت كم كان سهلاً على الولايات المتحدة كقوة عظمى أن تنتصر سريعاً في العراق وأفغانستان، لكن كم كان صعباً الخروج من المستنقعين!
وحتى مع ممارسة واشنطن ضغطاً عسكرياً كبيراً على إيران، وضع الأميركيون لأنفسهم حدوداً واضحة، فلم يكونوا مستعدين للانجرار إلى دمار واسع النطاق للبلاد ولمؤسسات الدولة الإيرانية، ومن ثمّ انخراط الولايات المتحدة في عملية مطوّلة ومعقدة لإعادة الإعمار.
مفارقة النصر على إيران: بين واشنطن وتل أبيب!


