سألتُ بعض الدارسين في مجال العلوم السياسية لأفهم ما قصده “الحكيم” في كلمته الموجهة لأهالي الناعمة، أو لعلهم لم يفهموا هم أيضًا السؤال! فهمتُ عندها أن هناك منطقًا خاصًا في علم السياسة لا يفهمه البسطاء أمثالي…
تشير الحضارة عند فلاسفة التاريخ غالبًا إلى الإنجازات الحضارية التي حققها الإنسان منذ أكثر من ستة آلاف سنة مضت في مناطق مختلفة من العالم، وذلك في ظل شروط وظروف موضوعية؛ بعضها يتعلق بالإنسان، وبعضها الآخر يخص البيئة الطبيعية، بالإضافة طبعًا إلى عوامل أخرى. ويعد المؤرخ الإنجليزي “أرنولد توينبي” أحد أهم الباحثين في هذا المجال.
وبعد بحث “توينبي” الطويل في مسار الحضارات والتجارب الحضارية، وتفسير تطورها —بدءًا من نشأتها، وصولًا إلى أوج ازدهارها وتأثير التقدم التكنولوجي فيها— وصل إلى حقيقة واحدة مفادها: أن جهل الحكام باتخاذ القرار الصحيح أدى إلى موت الحضارة انتحارًا.
وقصة الدكتور جعجع “الحكيم” تشبه تمامًا قصة الإله “أبولو” (Apollo) الذي وصف سقراط بـ “الحكيم”، ولا مجال لذكر تفاصيلها الآن! فبعد كل إطلالة لقائد “القوات اللبنانية” —أو بالأحرى حزب “القوات”— يأخذك “الحكيم” إلى عوالم علم السياسة، وعلم الاجتماع، والأهم من ذلك: “علم المنطق” بكل أبعاده الفلسفية والطبية… وخاصةً بعد عشاء جبيل الشهير!
هل تعلمون أن أسوأ أنواع الحوار وأسوأ أنواع الكتابة هي المساجلة؟ لكنك حين تستمع إلى “الحكيم” وهو يتحدث، تجد نفسك مدفوعًا وبحاجة ملحّة إلى مساجلته، وهذا هو أسوأ الأمور.
ولنتذكر سويًا مجموع “السقطات” للمرشح الدائم لرئاسة الجمهورية، حين قال:
”أقبل بجلسة لانتخاب رئيس الجمهورية لا تشارك فيها الطائفة الشيعية، والدستور يجيز ذلك والميثاق الوطني أيضًا”.
منذ أيام في جبيل، أتى قائد القوات على ذكر منسق القوات في جبيل —أعني “حزب القوات”— باسكال سليمان الذي قُتل غدرًا، وأعاد رسم صورة حضوره في المنطقة ليجد آلاف الناس قد سبقوه، مستحضرًا ومذكّرًا بشعاره الدائم: “وقت الخطر قوات”.
هذا الأسلوب يأخذك مباشرة إلى المفكر الاجتماعي الأمريكي “روبرت ميرتون” (مؤسس علم اجتماع العلوم وواضع قانون “النتائج غير المقصودة”)، وهو تمامًا حال “القوات اليوم”. فالأهداف ذاتية التحقق تبدأ في الأصل من تعريف خاطئ لوضع معين يستدعي سلوكًا جديدًا، وفي حال عدم اتخاذ هذا السلوك الجديد، يتحول المفهوم الزائف الأصلي إلى حقيقة واقعة. وهذا هو الحاصل مع “القوات”، ونرى أنها كانت —ولا تزال— في خدمة مشروع الحرب الأهلية… ولماذا نقول هذا الكلام؟
أولًا: العودة الدائمة للتغني ببطولات الحرب الأهلية وشعاراتها، وهو ما فعله “الحكيم” بوصفه أهالي الناعمة بـ “السياديين تاريخيًا” وبأنهم لم يضيعوا بوصلة السيادة، وكأن أهالي “حارة الناعمة” الجارة كانوا ولا يزالون عبيدًا لا يعرفون معنى السيادة! وكل هذا الضجيج الهابط من أجل قسمة مخاتير وبلدية!
ثانيًا (وللتذكير أيضًا): سقطة الرابع من آب 2020، إثر الحادثة التي وقعت بين مجموعة من الحزب الشيوعي ومجموعة من القوات في منطقة الجميزة؛ حيث وقف “الحكيم” بعدها في عليائه ليقول: “اعتقد الشبيبة أنهم في الخندق الغميق، ونسوا أنهم في الجميزة!”.
ليت “الحكيم” —المرشح الدائم للرئاسة— يقرأ بتمعّنٍ كلام البابا الراحل مار يوحنا بولس الثاني أثناء جولته التاريخية في لبنان عام 1997.
لقد قال البابا حينها كلامًا واضحًا وجليًّا:
”نعود إليكم؛ إن تهدمت الحواجز التي أمكنها أن ترتفع أثناء الحرب الأليمة في وطنكم، فلا تقيموا حواجز جديدة داخل بلدكم. بل على العكس من ذلك، إليكم يعود بناء جسور بين الأشخاص، بين الأسر وبين الجماعات المختلفة، ولكم نأمل في حياتكم اليومية أن تُرْسوا مبادرات مصالحة للعبور من الريبة إلى الثقة”.
وهذا يعني بلغة الدستور والميثاق: ألا شرعية لأي سلطة تناقض العيش المشترك.
إن اتفاق الطائف أنهى الجدل العقيم حول نهائية لبنان، وأجاب بوضوح عن طرح المفكر جورج نقاش ونظريته الشهيرة التي تقول: “سلبيتان لا تصنعان إيجابًا”. فالنظرية كانت تقول: “أعرف ما لا يريده المسيحيون (عدم الانضمام إلى سوريا)، وما لا يريده المسلمون (بقاء الانتداب الفرنسي)، لكني لا أعرف ما يريده المسلمون والمسيحيون بعضهم مع بعض”!
لقد جاء الطائف ليحدد بدقة ما يريده اللبنانيون بعضهم مع بعض؛ وهو أن لبنان يقوم أساسًا على “قوة التوازن”، ولا يقوم —ولن يقوم أبدًا— على موازين القوى المتأرجحة والمؤقتة… يا “حكيم”!


