ذاكرة حرب تموز في طرابلس… بصمة لا تُنسى وإخفاق تكتيكي

إسراء ديب

لم يكن حضور “حزب الله” السياسيّ والشخصيّ في طرابلس قائماً حتّى ما قبل اندلاع حرب تموز عام 2006، إذْ فشلت كلّ محاولات بعض الممانعين السياسيين والاعلاميين في فرض هذا التوجه على المدينة بصورة مباشرة أم غير مباشرة، خصوصاً بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005، والذي أنهى كلّ وجهات النظر والافتراضات التي يُمكن أن تسمح بـ “توطين” بعض التيّارات السياسية التي تفرض رأيّاً سياسياً وعسكرياً مغايراً للتوجه المعتاد في المدينة.

يُمكن القول، إنّ المدينة المناصرة للمقاومة بمضمونها، أيّ التي ترتكز على مقاومة العدو الصهيوني من جهة، ومقاومة أيّ محتلّ أو معتدٍ حتّى ولو كان من الداخل من جهة ثانية، كانت قد أعلنت موالاتها وتهنئتها بخطوة إعلان الحرب ضد الإسرائيليين عام 2006، وعلّقت آمالها على عملية قصف البارجة الاسرائيلية في عرض البحر، وما يليها من خطوات وذكريات تذكر “أمجاداً عسكرية” كانوا يتوقّعون استمرارها، لكنّهم لم يتوقّعوا يوماً أن تتحوّل هذه المغامرة العسكرية من استهدافها العدو خارجياً إلى من أطلقت عليهم “أعداء” داخلياً.

ولا يزال الطرابلسيون يستذكرون جيّداً الرسالة الصوتية التي نُشرت عبر “المنار” بصوت الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله عند الساعة 8:45 دقيقة، من مساء يوم الجمعة في 14 تموز 2006، متحدّثاً عن “مفاجآت وعد بها”، وقال: “الآن في عرض البحر في مقابل بيروت، البارجة العسكرية الاسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وعلى بيوت النّاس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الاسرائيليين الصهاينة”. وبعد هذه الضربة لم يهدأ الطرابلسيون الذين فرحوا وهلّلوا بهذه الهجمة الصادمة، معتبرين أنّ نصر الله كان “قدها وقدود” في محاربة العدو، ما دفعهم إلى التمسك لفترة زمنية بهذه الشخصية التي أظهرت “كاريزما” لا تخفى على أحد فرضت نفسها على الواقع السياسي اللبناني الذي تغيّر بعد ضربات عسكرية وأمنية مختلفة ركّزت على عمليات الاغتيال وغيرها من المعارك التي دفعت إلى “قلب” مراكز القوى السياسية في البلاد وإسقاط حكومات والتحكّم بأخرى.

المدينة التي دافعت بمعظم فئاتها الاجتماعية والسياسية عن حرب تموز التي ضربت بعض مرافقها شمالاً، لم تكن تتوقّع انقلاب السحر على الساحر لا سيما بعد أحداث أيّار عام 2008 في بيروت التي شملت أحداثاً دموية، تلتها مواقف سياسية وعسكرية كان أبرزها مرتبطاً بالثورة السورية التي اندلعت عام 2011 لا سيما بعد مشاركة الحزب في هالمعارك خارج لبنان وعدم عودته منها حتّى اللحظة، عدا عن مشاركته في تدريب مقاتلين في حرب اليمن.

ولا تُخفي أوساط طرابلسية أنّ هذه الحرب التي دفعت مئات آلاف الجنوبيين أو أهالي الضاحية إلى التوجه شمالاً، كشفت ارتباط الطرابلسيين بمبادئ وطنية لم تبتكرها حرب 2006، “إذْ يُعرف الطرابلسيون بتمسّكهم بالاستقلال وأهمّية فرض معايير قائمة على السيادة والتحرّر، وهذا ما تثبته وقائع من الحرب الأهلية التي فرضت الوصاية السورية المرفوضة من أبناء الفيحاء، كذلك يُثبت التاريخ محاربة الطرابلسيين للمحتل وتنديدهم به، ما أدّى سابقاً إلى استشهاد 14 طالباً تحت دبابات الفرنسيين في 13 تشرين الثاني عام 1943، بعد اعتقال الزعماء اللبنانيين في قلعة راشيا وكان من ضمنهم ابن طرابلس عبد الحميد كرامي… وبالتالي إنّ تاريخ المدينة، يدفع أهلها عموماً إلى الدفاع عن المقاومة بمعناها الصحيح، واستقبال مناصريها فيما بعد على أرضهم ومدارسهم لفترة لا تتجاوز الـ 33 يوماً، هذا عدا عن الشماليين أو النازحين من اللبنانيين الذين توجهوا إلى مخيّمات سورية في هذه الفترة القصيرة”.

وترى هذه الأوساط أنّ الترحيب الكبير بوقوع الحرب أو النازحين لم يكن شاملاً بالتأكيد، لكن “لا علاقة له أبداً بالانتماء الطائفي، فلم تكن طرابلس يوماً رافضة للمقاومة لأسباب طائفية إلّا بعد حرب سوريا التي كشفت مصالح سياسية ربطها بعض المؤرخين بمصالح تاريخية متوقّعة وفق قراءات سياسية مختلفة، كذلك معارك جبل محسن وباب التبانة التي خلّفت فرضيات يُشير بعضها إلى تكهنات طائفية دفعت إلى هذه المعارك، فيما يُشير بعضها الآخر إلى أنّها سياسية بحتة وهذا ما تثبته الأحداث التي تُفيد بتورّط جهات الممانعة فيها شمالاً، وفي الواقع يكمن التفاوت في حفاوة الاستقبال في الشقّ السياسيّ، نظراً الى الاختلاف والمنافسة السياسية الشرسة شمالاً التي كانت تخشى من تداعيات هذه الحرب ونفوذها ميدانياً على أرض الواقع، إذْ كان الاهتمام بالشارع السنيّ يفوق أيّ اهتمام آخر على خلاف ما يحدث في الفترة الأخيرة سياسياً.

وفي رصد للشارع الطرابلسيّ، يُؤكّد الكثير من المواطنين أنّ هذه الحرب خلقت شعوراً بالقوّة والعزّة في ذلك الوقت، فيما يُشدّد آخرون على أنّها شكّلت بصمة في تاريخ السياسة اللبنانية، بينما يصفها البعض بأنّها عبارة عن مسرحية “كنّا نصدّقها في البداية، لكنّنا دفعنا ثمنها فيما بعد سياسياً وحتّى طرابلسياً”. ويقول أحد المتابعين لـ “لبنان الكبير”: “إنّ زجّ طرابلس المستمرّ في عناوين التكفير والتضليل، كان ولا يزال ثمناً ندفعه لرفضنا هذه السياسات الممنهجة والقائمة على التجييش لمصالح سياسية كنّا في غنى عنها، لكنّنا كنّا ولا نزال نرفض التواطؤ مع الصهاينة مع دعمنا أيّ طرف يُمكنه مقاتلتهم”.

ويُضيف: “كنّا نتمنّى المشاركة معهم في الحرب لكنّ تبقى هذه الهجمات طائفية وتحت بند معيّن، إذْ تغيّر مفهوم المقاومة اللبنانية ليكون مقاومة ترأسها طائفة واحدة بجهة سياسية واحدة. وفي كلّ الأحوال كنّا نأمل في استكمال محاولات ضبط العدو براً، بحراً وجواً وهذا ما لا نراه اليوم إلّا ما نرصده أحياناً من تصريحات وتهديدات لا تُحقّق الاستقلال للفلسطينيين أو للسوريين الذين يتلقّون ضربات يومية، مع العلم أنّ السكوت عن هذه الجرائم يُعدّ غير مفهوم أبداً، لكن حان الوقت للردّ في الزمان والمكان المناسبين على التعدّيات الحاصلة يومياً”.

شارك المقال